الحكايات الشعبيَّة في الصحراء الغربيَّة

الزبير غالي (مؤلف)
مركز الدراسات والتوثيق الفرنسي الصحراوي، أحمد بابا مسكة، الصحراء الغربيَّة
93 – 113
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺤﺴّاﻧﻴﺔ: ﺗﺮاث ﻣﺸﺘﺮك ورﻫﺎﻧﺎت ﺣﻀﺎرﻳﺔ ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﺼﺤﺮاء وإﻓﺮﻳﻘﻴﺎ
ع. 6 — م. 3 — 31/12/2025

الحكايات الشعبيَّة في الصحراء الغربيَّة

 الزبير غالي

ملخّص

تمثّل الحكايات الشعبيّة في الصحراء الغربيّة عنصرًا أساسيًّا من الذاكرة الجمعيّة للمجتمعات الناطقة بالحسَّانية. إذ تنتقل شفهيًّا من جيل إلى آخر، حاملة معها منظومة من القيَّم والمعتقدات والمفاهيم الاجتماعيَّة التي تعكس الهوية الثقافيَّة الخاصَّة بالشعب الصحراوي. ورغم أهميتها، لم تحظ الحكايات الحسَّانية بالدراسة والتحليل الكافيين، ما جعلها عرضة للضياع والتحريف والتغيير. يسلّط هذا المقال الضوء على تنوّع الحكايات التي تشمل الحكايات الهزلية، حكايات الحيوانات، القصص الخارقة، والقصص الدينيّة والمواعظ الأخلاقيّة. ومن أبرز هذه الحكايات: "القنفذ والذئب"، "أسريسر ذهبو"، و"العنز البزية"، والتي تعكس الحكمة والشجاعة والأخلاق، وتمزج بين الواقع والخيال. تلعب الحكايات الحسَّانية أدوارًا متعدّدة، من الترفيه والتنشئة إلى غرس القيّم مثل الشجاعة والصبر والصدق والدهاء، مع اعتمادها أساليب فنّية كالسجع والتكرار والاستهلال والخاتمة الصيغيّة، بما يشبه الموروثات الشفهيّة الأخرى عالميًّا. غير أنَّ التغيرّات الاجتماعيَّة المتسارعة والعولمة تهدّد استمرارها، ممّا يستدعي توثيقها وحمايتها للحفاظ على هذا الجزء المهم من التراث اللّامادي الصحراوي.

الكلمات المفتاحيّة: الحكايات الشعبيّة الصحراويّة، التراث الشفهي الحسَّاني، ثقافة الصحراء الغربيَّة، الأدب الشفوي، السرد والمجتمع، الهوية الثقافيَّة، التربية الأخلاقيَّة عبر الفولكلور.

Abstract

Folk Tales in Western Sahara Folk Tales in Western Sahara represent a vital component of the collective memory of the Hassaniya-speaking communities. Transmitted orally from generation to generation, these narratives encompass a wide range of beliefs, values, and social norms, reflecting the distinct cultural identity of the Sahrawi people. Despite their importance, Hassaniya folk tales have received limited scholarly attention, exposing them to risks of loss, distortion, or alteration. This paper explores the diversity of these tales, which include humorous stories, animal fables, supernatural narratives, religious tales, and moral lessons. Notable stories, such as “The Wolf and the Hedgehog”, “Asrisar Dhahabu”, and “The Goat Bazya”, convey wisdom, courage, and moral reflection while blending reality with imagination. Hassaniya tales serve multiple functions: entertaining, educating, and socializing children and adults, reinforcing cultural values such as courage, patience, honesty, and resourcefulness. They often employ stylistic features such as rhyming, repetition, and formulaic openings and closings, similar to other oral traditions globally. However, the accelerated social changes and globalization threaten their continued vitality, emphasizing the urgent need for documentation and preservation to safeguard this essential part of Sahrawi intangible heritage.

Keywords: Sahrawi folk tales, Hassaniya oral tradition, Western Sahara culture, Oral literature, Storytelling and society, Cultural identity, Moral education in folklore.

Résumé

Les contes populaires du Sahara occidental

Les contes populaires du Sahara occidental constituent un élément essentiel de la mémoire collective des communautés hassani. Transmis oralement de génération en génération, ces récits reflètent une diversité de croyances, de valeurs et de normes sociales, témoignant de l’identité culturelle particulière du peuple sahraoui. Malgré leur importance, ces contes ont fait l’objet de peu d’études, ce qui les expose au risque de perte, de distorsion ou d’altération. Cet article examine la diversité des contes, incluant des histoires humoristiques, des fables animalières, des récits surnaturels, des histoires religieuses et des leçons morales. Des récits célèbres tels que « Le Loup et le Hérisson », « Asrisar Dhahabu » et « La Chèvre Bazya » transmettent sagesse, courage et réflexion morale tout en mêlant réalité et imagination. Les contes hassani remplissent des fonctions multiples : divertir, éduquer et socialiser, en renforçant des valeurs telles que le courage, la patience, l’honnêteté et l’ingéniosité. Ils utilisent souvent des techniques stylistiques comme la rime, la répétition et des formules d’ouverture et de clôture, similaires à d’autres traditions orales à travers le monde. Toutefois, les changements sociaux rapides et la mondialisation menacent leur survie, soulignant l’urgence de leur documentation et préservation afin de protéger ce patrimoine immatériel sahraoui.

Mots-clés : Contes populaires sahraouis, Tradition orale hassani, Culture du Sahara occidental, Littérature orale, Récit et société, Identité culturelle, Éducation morale par le folklore.

مقدّمة

تمثّل الحكايات الشعبيَّة المتداولة في الصحراء الغربيَّة ومحيطها الناطق باللهجة الحسَّانية، معينًا لا ينضب من المعارف والمعلومات التي تغطي الجوانب الأدبيَّة واللّسانيَّة والفلكورية والتاريخيَّة والإبداعيَّة للإنسان الصحراوي، وقبل الخوض في عالم الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة ينبغي أن نتوقف أوّلًا عند مفهوم الحكاية الشعبيَّة.

تصف ميسون علي (2003) الحكاية الشعبيَّة بأنَّها "شكل من أشكال التعبير الشفوي، تسرد سلسلة من الأحداث المتخيّلة، وتفترض وجود راوٍ يقوم بقص هذه الأحداث. فالحكاية تنتمي إلى الأدب السردي وإلى عالم الخيال والمتخيّل، وتتميّز أحداثها بحيوية خاصة. والحدث فيها مختلق إلّا أنّه مروي بوضوح يمكن فهمه بسهولة، يتوضع في شرط بعيد زمنيا من دون تحديد" (ص.428).

ويعرّف محبك (1999) الحكاية الشعبيَّة بأنّها "أحدوثة يسردها راوية في جماعة من المتلقين، وهو يحفظها مشافهة عن راوية آخر، ولكنّه يؤدّيها بلغته، غير متقيّد بألفاظ الحكاية وإن كان يتقيّد بشخصياتها وحوادثها، ومجمل بنائها العام" (ص. 18).

بينما تعتبر نبيلة إبراهيم (1975) الحكاية الشعبيَّة "قصة ينسجها الخيال الشعبي حول حدث مهم، وأنَّ هذه القصة يستمتع الشعب بروايتها والاستماع إليها إلى درجة أنّه يستقبلها جيلا بعد جيل عن طريق الرواية الشفوية" (ص ص.91-92)، في حين يرى الكاتب الصحراوي الحيسن (2010) أنَّ الحكاية الشعبيَّة" إبداع شعبي يتّسم بالقصر والبلاغة وبساطة البنية السردية، رغم تعدّد الحاكين والمراد "Narrateurs"وتنوّع أساليبهم الروائيّة" (ص.55).

 وعلى الرغم من اختلاف الباحثين والدارسين اختلافا بيّنًا في تعريف الحكاية الشعبيَّة إلَّا أنَّهم يجمعون على انتمائها إلى الأدب الشعبي الشفهي، وعلى مكانتها المتميّزة في التراث السردي للشعوب والأمم، بل يذهب البعض إلى اعتبار الحكاية الشعبيَّة " تمثل جزءًا رئيسيًّا من الضمير الإنساني عندما يتغنَّى بالفضائل والخير والسعادة، والحكايات الشعبيَّة من أرفع الفنون التى أبدعتها الشعوب". ("الحكايات الشعبيَّة الروسيَّة"، 2006، ص.9)

وبالمجمل، فإنَّ الحكايات والأساطير والقصص الشعبيَّة تمثل جانبًا بالغ الأهمية من الذاكرة الجمعيَّة للشعوب التي تناقلتها من خلال السرديات الشفهيَّة من جيل إلى آخر، حاملة في ثناياها جملة من التصوّرات والمفاهيم والرؤى المتنوّعة، المعبّرة عن خصوصيَّة كل شعب، ولا تمثّل الشعوب الناطقة بالحسَّانية استثناءً من هذه القاعدة، إذ تحتل الحكايات مساحة معتبرة من المشهد الثقافي الحسَّاني، ضمن جملة من التجليات الشفهيَّة الأخرى كالأمثال والحكم والأشعار والألغاز والأحاجي وغيرها، باعتبار الثقافة الحسَّانية ثقافة شفهيَّة بالدرجة الأولى.

رغم أهمية الحكايات في التراث الشعبي الحسَّاني فإنَّها لم تحظ بما تستحق من الدراسة والتحليل والتدوين، مما عرَّض الكثير منها للضياع والنسيان، كما هو الحال مع كثير من عناصر التراث الشعبي الأخرى، وتعتبر أعمال الباحث والروائي الموريتاني محمد ولد أحظانا من قبيل "موسوعة الحكايات والأساطير والأمثال الشعبيَّة الموريتانيَّة" التي صدرت سنة (1995) في ثلاث مجلدات وهي مؤلَّف مشترك مع جماعة من الباحثين ، وقد تُرجِمت لاحقا إلى اللّغة الفرنسيَّة ونُشِرت سنة (2007) و"المتخيَّل في الحكاية الحسَّانية: دراسة لسانيَّة أنثروبولوجيَّة رمزيَّة" الصادر سنة (2013)، من أهم ما تمَّ إنجازه في سياق جمع وتقديم الحكايات الشعبيَّة الحسَّانية في موريتانيا، إلى جانب كتاب "حكايات جدي الصحراويَّة" الذي نشره الباحث باهية أواه بالتعاون مع كونشي مويا باللّغة الإسبانيَّة سنة (2015)، والذي ضمَّ دراسات في السرديات الشفهيَّة التي تُمثل الهويَّة الثقافيَّة الصحراويَّة والموريتانيَّة.

وقد وردت ملاحظات وإشارات قيّمة حول الحكاية الحسَّانية في ثنايا أعمال تهتم بالتراث الحسَّاني من قبيل "الشفهي والبصري في الموروث الأدبي والجمالي الحسَّاني" للأستاذ الباحث إبراهيم الحيسن (2010) و"نظرات في اللهجة الحسَّانية" للدكتور غالي الزبير (2013) و"التراث الشعبي الحسَّاني ثراء وتنوّع "للدكتور بوزيد لغلى (2018)، كما كان للباحثين الصحراويَّين؛ باهية ولد أواه، ولعروسي حيدار، جهود جديرة بالتقدير في التعريف بالحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة في الأوساط الأدبيَّة والأكاديميَّة الإسبانيَّة.

دون أن نُغفِل بعض الأعمال القيّمة - على ندرتها - التي قام بها بعض الباحثين الإسبان والفرنسيّين الذين درسوا المجتمعات الحسَّانية وثمَّنوا تراثها اللَّامادي.

الحكايات والقصص الشعبيَّة الحسَّانية عديدة ومتنوّعة وتشمل طيفًا واسعًا من المواضيع، فمنها الحكايات الهزلية وحكايات الحيوانات وقصص الجن والغيلان والخوارق والقصص الدينيَّة والمواعظ وغيرها. ومن أشهر الحكايات والقصص الشعبيَّة الصحراويَّة: حكايات "الذيب والگنفود"؛ أي الذئب والقنفذ، التي تظهر انتصار الذكاء والحكمة على القوة الجسديَّة، وقصة "أسريسر ذهبو" التي تمثّل صراع الخير والشر، وقصة "العنز البزية" التي تتمحور حول الشجاعة، وقصص "شرتات" التي ترمز شخصيتها الرئيسيَّة للنهم، وقصص "تيبة" رمز البلاهة و"قصص عيشة أم النواجر" المعبّرة عن المكر والدهاء وسعة الحيلة وكيد النساء، وقصص "أم العريف" المرأة الشريرة المتحذلقة... إلخ.

وقد بلغ ولع المجتمع الحسَّاني بهذه القصص والحكايات أن صاغ بعضها في أشعار منظومة، جنبًا إلى جنب مع نسخها المنثورة، كما في قصص الذئب والقنفذ الممجّدة للذكاء والمثمّنة للقدرة على التخلّص من المواقف العصيبة بفضل الفطنة وسرعة البديهة، كما في المقطع التالي:

أنت يا وناسة لبــصار     يا أغيــلى عنـدي كل خبــيب

قط اسمعتي يالريم أخبار     الگـنفود مع خــبر الذيــب؟

ثم تُورَد القصة كاملة شعرا بعد هذا الاستهلال المثير للانتباه. (الزبير، 2013، ص.29)

التنوّع الواسع للتراث الحكائي الحسَّاني في الصحراء الغربيَّة يشمل مختلف مناحي الحياة، وتخدم كل مجموعة قصصيَّة أهدافا ترفيهيَّة، تربويَّة، دينيَّة، أو أخلاقيَّة محدَّدة، و"ترد القصة لتعزيز وترسيخ هذه الأهداف من خلال تعزيز السلوكيات المطلوبة ونبذ واستهجان السلوكيات المرفوضة، وعادة ما تأتي القصة تعقيبًا على سلوك أو تعميقًا لفكرة سبق طرحها أو يُمهد لإيصالها فتكون القصة بمقصدها ومضمونها جزءًا من وسائل التنشئة، خاصة عند مقارنة سلوك الطفل أو المراهق بسلوك مماثل أو مناقض لسلوك شخصيات القصة، التي تصبح جزءًا من التراث العائلي يستعان بها عند تماهي السلوك الواقعي مع الأحداث القصصيَّة". (الزبير، 2013، ص.28)

ويعتبر أشخاص"الرْواية" بسكون الراء -هكذا تُسمَّى الحكاية الحسَّانية- أبطالا معروفين من خلال حكاياتهم، يُعبَّر باستحضارهم عن حالات حقيقيَّة، إذ عادة ما يُستذكرون في المواقف النقدية على الأخص، كما يتميّز القصص الشعبي الحسّاني بصور من الخيال الجميل، حيث تحمل الجمادات والحيوانات معاني رمزيَّة وتتَّصف بقدرتها على الكلام والتحاور العاقل، على زعم أنَّها كانت كلّها ناطقة مثل الإنسان في زمن مضى في قالب يذكّرنا بحكايات" كليلة ودمنة" لابن المقفّع.

تشكّل "أنسنة" الحيوان سمة بارزة في الحكايات الشعبيَّة الحسَّانية المتداولة في الصحراء الغربيَّة، فالحيوانات التي ترد في هذه القصص كالقنفذ والذئب والضبع والأسد والجمل والحبارى والنعامة والبومة وغيرها من حيوانات الصحراء، تتكلَّم الحسَّانية مثل المستمعين للحكاية تماما، و تتميَّز في حواراتها بالعقلانيَّة والمنطق وتسعى للاحتكام إلى القضاء لفضّ نزاعاتها، وتُحاجِج في دفوعها بمنطق العقل والدين والأعراف كما هي شائعة في مجتمع الصحراء، وأحيانا تنشد الأشعار وتطرب لسماع القريض وتحتفل وترقص، وتختصم وتتصالح فيما بينها، وليس هذا فحسب بل وُضِع لبعضها ألقابا بشريَّة، فيسمَّى الذئب في الحكاية الشعبيَّة الصحراويَّة "با محمـد" ويسمَّى القنفذ "لحبيب" في حين يسمَّى الضبع "عبد الرحمن"...إلخ.

وتُظهِر أهمية الحكاية الشعبيَّة الحسَّانية وارتباطها بوعي المجتمع، تحوّل بعض العبارات التي وردت في متن الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة إلى عبارات تلخّص مواقف محدّدة، تجري مجرى الأمثال من قبيل: "شخلط طير وبخنوس"؛ أي ما الذي يجمع بين طائر وحيوان مفترس؟ و"الظالة ما لها گمنة"؛ والتي تعني أنَّ ضالة الحيوان لا يعرف أين يمكن العثور عليها و"يا أمة عينك عين النعجة"؛ أي يا أماه عيناكِ تشبهان عين الشاة، وما إلى ذلك من التعابير المشهورة والمستعملة بشكل واسع في الحياة اليوميَّة، ولا يمكن فهم معنى هذه العبارات دون معرفة مورد المثل من خلال الحكاية التي ورد فيها.

الحكاية الشعبيَّة الصحراويَّة فنّ سردي من إبداع الإنسان الصحراوي، وهي بالتالي انعكاس لرؤيته وفهمه لذاته ومحيطه، وتقدّم طيفا واسعا من معارفه ومعتقداته وتراثه وقيّمه، وتأخذ تفاصيلها من البيئة الطبيعيَّة الصحراويَّة بتضاريسها ونباتاتها وحيواناتها وظروفها الطبيعيَّة القاسية، وتحوّلاتها بين الشدة والرخاء والخصب والجدب، كما تعكس الحياة الاجتماعيَّة والقيميَّة والثقافيَّة واللّسانيَّة المحلّيَّة، مما يجعل أبطالها قريبين من السامع ويُشكّلون - غالبا - جزءًا من عوالمه المحيطة به، وهي بذلك تعبّر عن ذاته أو عن محيطه الذي يعرف تفاصيله بصورة واسعة مما يجعله منغمسًا في تفاصيل الحكاية، التي يربط فيها بين الحقيقة والخيال رابطٌ دقيقٌ يعبُر من خلاله المستمع بين عوالم المشاهد والمتخيّل بسلاسة تحرّكها المشاهد المتتاليَّة التي يتقن الراوي - الذي غالبا ما يكون من كبار السن كالجد أو الجدة - التنقّل بينها من خلال فن إتقان الحكي والقدرة على تصوير الأحداث عبر لغة مميّزة، خاصة بعوالم الحكاية، ونبرات صوتية متغيّرة حسب الحالة، سرور أو حزن، خوف أو اندهاش، كأنّه ممثّل يقف على خشبة مسرحٍ، وغالبا ما يستعين الراوي أو الحكواتي بالسجع أو تكرار المفردات، كقولهم "هربوهربو والناس عدو" في قصة اسريسر ذهبو أو عبارة "يا عازة ومعيزيزة، يا داگة ومديگية، يا الريگط حل البيت راني جيت" التي تنادي فيها العنز الشجاعة على بناتها بأسمائهن ثم تطلب من ابنها "الريگط"؛ أي الأبلق أن يفتح لها الباب لأنّها رجعت في حكاية العنز البزية، أو "سنيه گد البيبان وعينيه كيف الشهبان"؛ أي أنّ أسنانه بحجم الأبواب وعيناه مثل الشهبان في حكاية المرأة والغول، و"النعجة الليى في الباطن مولاها ما هو فاطن"؛ أي الشاة التي في أسفل التل مالكها لم ينتبه لأي شيء في حكاية القنفذ والذئب وغيرها كثير...

الحكاية الشعبيَّة الصحراويَّة تتماهى مع نظيراتها في المجتمعات العربيَّة والمغاربيَّة في اعتماد السجع أو الطباق والتكرار، كما في حكاية "ستوت أم لبهوت" التي يقول نصّها بالدارجة الجزائريَّة "ستوت أم البهوت تسبّح وتنبّح، وتطير ضروس الكلب اللي ينبح تكحل بذيل الحزام وتقول مرق وخلال عندها حوش مكنوس مرشوش فيه الزبل يضرب للخنشوش ...." (بورايو، 2007، ص.20) أو "زينـة الــدار وقعت في البحـر الهـدّار" (الحسن، 1988) في حكاية "الفأرة" من فلسطين.

ويكون الاستهلال في الحكاية الحسَّانية بعبارات من قبيل "گال لك ما گال لك عن مولانا هو البالنا وبال أوليدات المسلمين...."؛ أي قال لك وما قال لك أن الله هو من يسقينا ويسقي أبناء المسلمين أو "يگولو اللولين..."؛ أي يقول السابقون.. أو "خالگ راجل...."بمعنى كان هناك رجل... أو " گالو أرگاب الذنوب...."؛ أي قال الناس الذين يحملون ذنوبهم في أعناقهم... أو "تمو أرواكيج ..."؛ وتعني بينما كان قوم...، بينما تكون الخاتمة بعبارات متداولة يعرفها منها نهاية الحكاية وغالبا ما تكون مسجوعة كقولهم "مشات روايتي توكل لبسيس ومشات روايتك توكل لحشيش" ؛ أي ذهبت حكايتي تأكل البسيس وهو السويق (اللذيذ) وذهبت حكايتك تأكل الحشيش (الذي لا يستساغ أكله) أو "اللي گلنا والما گلنا في رگبة أصغرنا". (الحيسن، 2010، ص.57)؛ بمعنى ما قلناه وما لم نقله في عنق أصغرنا سنًّا أو "ذا گدو وذا حدو، يعملنا نتمو سالمين نردو"؛ أي هذا كل شيء وهذه نهاية الحكاية إن شاء الله نبقى سالمين ونتسامر، أو "مشات روايتنا مع الواد ومشينا حنا مع لجواد"؛ بمعنى ذهبت حكايتنا إلى الواد وذهبنا نحن مع الكرماء. وهذه الصيغة الأخيرة تتكرّر في حكايات عدد من المناطق العربيَّة باختلافات طفيفة بسب تنوّع اللهجات المحلّية، وقد تبدأ الحكاية الصحراويَّة أو تنتهي دون استهلال أو اختتام لأنّهما ليسا من صلب الحكاية.

تُروى الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة ليلًا فقط، ففي غياب وسائل الترفيه السمعيَّة البصريَّة، كانت الحكايات الشعبيَّة نافذة ترفيهيَّة وتربويَّة لا غنى، يُسدّ بها الفراغ ويُحضَّر بها الأطفال للنوم وتُمرَّر من خلالها الرسائل الأخلاقيَّة والتربويَّة، وتمنح من خلالها لحظات متنوّعة من المتعة والأنس والدهشة، والتأمّل والخيال المجنّح وسط المغامرات العجائبيّة في قالب إبداعي متجدّد.

وقد لعبت الحكايات الشعبيَّة باعتبارها المدرسة الأولى للطفل، أدوارا كبيرة في ترسيخ القيم الأخلاقيَّة والسلوكيَّات المحبَّذة والتنشئة على معاني الصبر والشجاعة التي لا غنى عنها في عوالم الصحراء القاسيّة، وقيّم الوفاء والأمانة والكرم والإخلاص والصدق وغيرها من مميّزات الانسان البدوي، التي يسعى البالغون إلى زرعها في الناشئين عبر الحكايات الشعبيَّة.

يقول الأستاذ الحيسن (2010) "راوي الحكاية الحسَّانية ما هو إلا صدى لصوت الناس يقدّم من خلاله ما يحفظه من حكايات يرويها، تقاليد المجتمع وعاداته وأعرافه، ومن خلال ما يقدّمه تنتقل بشكل واع أو غير واع معالم الحياة الفاضلة من آذان السامع إلى فكره وتتسرب في وجدانه ليتعرّف على أنماط السلوك التي ينبغي أن يتمثلها" ويضيف "في هذا الإبداع الحكايات الشعبيّة، صاغ الحسّانيون الكثير من القيّم والمعاني الإنسانيّة الرمزيّة المستوحاة من صميم واقعهم وبيئتهم الصحراويّة التي كانت تبرز وتطفو فوق الأحداث المسرودة، ولا تخلو أية حكاية شعبيّة حسّانية من معان سلوكيّة وأخلاقيّة مستعارة من الحياة الاجتماعيّة والدين والأسطورة والتاريخ الواقعي والمشكلات الحياتيّة، لذلك ظهر الإبداع الحكائي بالصحراء مليئا بالدلالات الواقعيّة والاستعارات الخرافيّة التي جعلت منه نتاجًا نثريًّا متعدّدا تتوارثه وتتناقله الأجيال عبر الزمن..." (ص.56).

نماذج من الحكايات الشعبيَّة المتداولة في الصحراء الغربيَّة

نقدّم هنا نماذج من الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة باللهجة الحسَّانية ثم باللّغة العربيّة الفصحى، وقد جُمعت هذه النماذج خلال مقابلات ميدانيَّة مع بعض كبار السن في مخيّمات اللّاجئين الصحراويّين بجنوب غرب الجزائر، أو عبر المراسلة مع بعض الباحثين في ميدان التراث الحسّاني:

حكايات شرتات

شرتات شخصيَّة خياليّة تجمع بين صفات الضبع والإنسان ويتّصف بالشراهة والنزق، وهما صفتان منبوذتان في أعراف المجتمع الحسَّاني، وتمثّل تصرفات شرتات السلوك الذي لا ينبغي للرجل الصحراوي أن يقوم به كما يقول الباحث في التراث الحسّاني باهية أواه. (Bahia Awah & Moy, 2015 , p.8)

حكايات شرتات عديدة ومتنوّعة وغالبا ما تكون قصيرة ومضحكة لما يقوم به من تصرّفات طائشة وغير مقبولة مجتمعيًّا، ثم يجتهد في تبريرها بعبارات جامعة. وهذه أمثلة من حكايات شرتات التي صارت بعض عباراتها مضرب الأمثال:

رواية شرتات ووالدتو

گالو عن شرتات مشى يصيد ولا گد يجبر شيء ورجع لوالدتو ومنين فوت شوي گاعد معاها وهو حاس بجوع متين، تلفت عليها وگال لها: يا أمة عينك عين النعجة.

گالت لو: أوكلني كانك واكلني. 

گال شرتات: ويلها ألا صيحت. ورصف عليها وكالها.

حكاية شرتات مع أمه

قالوا أنَّ شرتات ذهب للصيد ولكنَّه لم يعثر على أية فريسة، فرجع إلى أمه وبعد أن جلس معها هنيهة وهو يحس بجوع شديد، التفت إليها قائلا: يا أماه عيناكِ تشبهان عينا النعجة.

قالت له: إذن كلني ما دمت قد نويت على ذلك (دون أن تبحث عن مبررات).

قال شرتات: ويل لها لقد صاحت. ثم انقض عليها وأكلها.

تعقيب

"أوكلني كانك واكلني" وترادفها عبارة "سبة شرتات لوالدتو" صارتا مثلا، يضرب للشخص الذي يريد بلوغ غايته بأيّ وسيلة، مقدّما تعليلات غير ذات معنى.

رواية شرتات مع نسيبتو

گالو عن شرتات كان ديار لشي من الظالة وفي الليل راح لخيمة أنسابو وطرحو لعشا يغير شرتات بيه حشمان من نسيبتو ما بغى يوكل وقال لهم عنو تعشى سابگ يجيهم.

ومنين رگدوا وعى شرتات جيعان حتى گام يلود في الدبش يكانو يجبر شي يوكلو، فذا وعات عليه نسيبتو وگالت لو أنت لاش تلود فم ياشرتات؟

گال لها: الظالة ما لها گمنة.

حكاية شرتات مع حماته

قالوا أنَّ شرتات كان يبحث عن بعض المواشي المفقودة، وفي الليل نزل عند خيمة أهل زوجته وعندما قدَّموا له طعام العشاء رفض أن يأكل لأنّه يستحي من حماته، وقال لهم أنّه قد تعشى قبل قدومه إليهم.

وبعد أن خلدوا إلى النوم استيقظ شرتات وهو جائع جدا، فقام يفتّش في أمتعتهم لعلّه يجد طعاما يأكله، وفجأة استيقظت حماته وسألته: عمّا تبحث هناك يا شرتات؟ قال لها: الضالة لا يعرف أين يمكن العثور عليها.

تعقيب

عبارة "الظالة ما لها گمنة گال شرتات"، صارت مثلا يضرب للشيء، يبحث عنه في غير مظان وجوده.

رواية شرتات مع خلاگة ولد السبع

گالو عن السبع خلگ عندو ولدو ويوم اسمو جاتو الحيوانات كاملة فرحانين بخلاگتو وگامت النعامة تتلاوح والحيوانات يصفگو لها.

گال شرتات: هذي اللي ترگص ذا الرگصة الزينة راهي منتنا نحن.

وتمت النعامة ترگص في المرجع لين وطات ماهي قاصدة على ولد السبع المطروح گدام أمو وكسرت ذراعو...

 گال السبع: أگبظوها...

ألا سمعتها النعامة وطارت من فوگ روسهم وسلكت رأسها.

گال حد من الحيوانات: أكبظو فبلدها شرتات گال عنها قريبتو.

گال شرتات: شخلط طير وبخنوس؟

حكاية شرتات وميلاد ابن الأسد

حكوا أنّ الأسد وُلِد له ولد، وفي يوم عقيقته جاءته الحيوانات كلها فرحة محتفلة بمولده، وأخذت النعامة ترقص والحيوانات يصفّقون لها.

قال شرتات: هذه التي ترقص هذه الرقصة الجميلة ابنتنا نحن.

وبينما النعامة ترقص وسط الجمع داست خطأ على ابن الأسد الذي كان موضوعًا أمام أمه فكسرت ذراعه.

قال الأسد: اقبضوا عليها...

بمجرد أن سمعت النعامة هذه الكلمات طارت من فوق الجميع ونجت بنفسها.

قال أحد الحيوانات: اقبضوا بدلا منها على شرتات فقد قال أنّها إحدى قريباته.

قال شرتات: أي منطق هذا الذي يربط ذا ريش بذي مخلب؟

تعقيب

"شخلط طير وبخنوس" تعبير شائع في الحسَّانية صار مثلا يضرب للأشياء التي لا رابط بينها.

رواية السلطان ولگرع

گالت الگوالا عن كان خالق سلطان ظالم حتى گانى أهل دشرتو گدام قصرو وگال للعساسة عنهم ما يخلو حد أگرع يدخل… منين تگنات الناس… گال لهم: الصبح تجيبو لي حبل مفتول من التراب، وألا نگطع روسكم.

بحرو الناس شلاهي يعدلو وبگاو يستصرطوا كاملين قابظتهم الخلعة من ذي الوحلة اللي دارهم فيها هذا السلطان الظالم.

منين مرگوا من عندو مكدرين حتى تلگى لهم راجل أگرع وسولهم لاش عيط لكم السلطان؟ ... گالو لو عن السلطان گال لهم عنهم ياللتهم يجيبو لو حبل مفتول من التراب وألا يگطع روسهم كاملين وعنهم بگاو واحلين ماهم عارفين شلاهي يعدلو.

گال لهم أرجعوا لو وگولو لو يعگد لكم العگدة اللولة من لحبل وأنتوما تكملوا فتيلو.

رجعوا للسلطان وگالولو: بغيناك تعگد لنا العگدة اللولة ونحن نفتلو لك لحبل.

گال لهم هذا لاهي يعود گالوا لكم حد أگرع... كل أگرع شيطان.

وهذا گدو وهذا حدو، إن شاء الله نتمو سالمين نردو.

حكايةالسلطان والأقرع

قال القائلون أنّه كان يوجد سلطان شديد الظلم، وذات يوم جمع أهل مدينته وطلب من حراسه منع أي شخص أقرع من الدخول عليه، وعندما اجتمع الناس أمام القصر طلب منهم السلطان أن يأتوهم في الغد بحبل مفتول من الرمال وإلا قطّع رؤوسهم جميعا. أسقط في يد أهل المدينة وبقوا في حيرة من أمرهم وقد شعروا بالخوف من هذه الورطة التي أوقعهم فيها طلب السلطان وتهديده لهم.

وعندما خرجوا من عند السلطان وقد أصيبوا جميعا بالغم، التقوا برجل أقرع وسألهم: لماذا ناداكم السلطان؟

قالوا له: لقد طلب منّا أن نحضر له حبلًا مفتولًا من الرمال وإلا قطّع رؤوسنا جميعا، ولا ندري ماذا سنفعل.

قال لهم الرجل الأقرع: ارجعوا إلى السلطان وقولوا له أن يعقد لكم العقدة الأولى في الحبل وأنّكم ستكملون فتله.

رجعوا إلى السلطان وطلبوا منه أن يعقد لهم العقدة الأولى من الحبل ليكملوا الباقي.

قال لهم السلطان: لابد أن هذه فكرة أقرع... كل أقرع شيطان.

وهذا مقدار الحكاية ونهايتها، إن شاء الله نبقى سالمين نتسامر.

رواية موكة أعگاب أطيور

گالوا اللولين عن بلقيس منين شدها سيّدنا سليمان عليه السلام گالت لو عنو يعدل لها فراش أمونك من الريش ويعود فيه من كل طير ريشة، گبل سيدنا سليمان ذا اللي طلبتو منو عيالو بلقيس، وعيط للطيور كاملة عنها تجي ومنين تگانات الطيور توخرت موكة عن عيطة سيّدنا سليمان، وموكة طويرة شوفتها ماهي زينة وحسها ما ينهول ولحمها ما هو حلو وجهدها ما هو خالگ أمللي ومع ذا كامل ما جات لعيطة سيّدنا سليمان اللي خايفة منو مخاليق مولانا كاملة.

منين جات موكة متگاعسة سولها سيّدنا سليمان أعلاه ما جات بالعجلة منين عيط للطيور كاملة؟ گالت لو موكة: كنت تفكر في ثلث مسايل، مندرة يكان أكثر لعليات وألا الرجالة؟ ويكان أكثر ليام وألا أليالي؟ ويكان الطوبة حجرة ولا رملة؟

قال لها سيدنا سليمان: أيوة شجبرتي يا موكة؟

گالت لو: جبرت عن لعليات أكثر من الرجالة بيهم خالگين رجالة تخمامهم ألا كيف تخمام لعليات ويسوى ينحسبو من لعليات وجبرت عن أليالي البيظ اللي يعود قمرهم تام ألا كيف النهارات بيهم ظوهم ويسوى ينحسبو من ليام وذاك أعلاه أليالي أكثر من ليام وجبرت عن الطوبة لعادت تدمغ حجرة وإلا عادت تتفتت ألا رملة.

سيّدنا سليمان تعجّب من ذا اللي گالت لو موكة ولا هو ألا أسمح لها تگاعيسها عن عيطتو، أسمح أمللي فوجها للطيور الثانيين ولا تلا نتف ريشهم.

واللي گلنا والما گلنا فرگبة أصغرنا.

حكاية البومة آخر الطيور

قال السَّابقون أنّ بلقيس حين تزوجها سيّدنا سليمان عليه السلام طلبت منه أن يصنع لها فراشا وثيرا من الريش يكون فيه ريشة من كل طائر، وافق سيّدنا سليمان على ما طلبته منه زوجته بلقيس، ودعا جميع الطيور للحضور، وعندما اجتمعت جميع الطيور تخلّفت البومة عن نداء سيّدنا سليمان، والبومة طويرة يعوزها جمال الشكل وصوتها لا يطرب ولحمها لا يؤكل وهي مهيضة الجناح، ومع ذلك تأخّرت عن نداء سيّدنا سليمان الذي تخشاه كل مخلوقات الله.

وعندما جاءت البومة متأخّرة، سألها سليمان: لماذا لم تأت بسرعة عندما دعوت جميع الطيور للحضور؟

قالت له: كنت أفكّر في ثلاث مسائل: أيهم أكثر: الرجال أم النساء؟ وأكثر الأيام أم الليالي؟ وهل الطوب حجر أم رمل؟

قال لها سيّدنا سليمان: وماذا وجدت يا أيتها البومة؟ ‏

قالت له: وجدت أنّ النساء أكثر من الرجال لأن بعض الرجال يفكّرون كالنساء فينبغي أن يعدوا من النساء، ووجدت أنّ الأيام أكثر من الليالي، لأنّ الليالي التي يكون فيها القمر بدرا تكون إلى الأيام أقرب منها إلى الليالي لضيائها، وينبغي أن تحسب من الأيام، ‏ووجدت أنّ الطوب إن كان يشج الرأس فهو حجر، وإن تفتت دون أن يجرح فهو رمل.

سيّدنا سليمان تعجّب مما قالت له البومة، فلم يغفر لها تأخّرها عن ندائه فحسب، بل عفا عن جميع الطيور الآخرين إكراما لها وجنّبهم نتف ريشهم. وما قلناه وما لم نقله في عنق أصغرنا.

تعقيب

"موكةأعگاب الطيور"عبارة متداولة في كلام الناطقين بالحسَّانية، وقد جرت مجرى المثل وتضرب للشخص غير ذي الأهمية يقحم نفسه في الأمر العظيم. ومورد المثل هو حكاية البومة "موكة" مع نبي الله سليمان كما زعمت الحكاية الصحراويَّة.

رواية لحدية والگنفود

گالو عن لحدية ماگدت توكل الگنفود بيه ألا أمنين ترصف عليه يتكمش عنها ولا تگد تمسو بيها شوكو لمحدد وخمت شلاهي تعدل باش تگد توكلو... وجاتو وسولتو بيها الدريس:

عندي كبة من الشعر ومر عليا رأس الخيط اللي موعدلة بيه، شنعدل باش نعرف بلدو؟

گال لها الگنفود بيه زين النية: ألا أرفديها إلى بلد منين حامو لگطا وأزرگيها ومنين أطيح لاهي تنفتح ويظهر لك رأس الخيط.

گامت لحدية ورفدت الگنفود إلى السماء وزرگتو ومنين طاح نفتح ولا تلا گاد يتكمش وكالتو ومن ذاك اليوم عادت لحدية ألا منين تجبر گنفود تعدل لو هذه الحرفة. مشات روايتنا مع الواد ومشينا حنا مع لجواد.

حكاية الحدأة والقنفذ

قالوا أنّ الحدأة أعيتها كل الحيل التي جربتها لافتراس القنفذ، إذ كلما هجمت عليه تكور على نفسه ولم تستطع أن تلمسه بسبب أشواكه الحادة، وفكّرت الحدأة، ماذا تفعل لكي تستطيع أكله، ولدهائها وسعة حيلتها ذهبت إليه وسألته:

لديّ كبّة من الشعر (لفافة من شعر الغنم) وقد أضعت رأس خيطها، فكيف أعثر عليه؟

أجاب القنفذ بكل سذاجة وحسن نية:

ما عليك سوى أن تحلّقي بها عاليًا إلى حيث تحوم طيور القطا وترميها أرضًا وعندها ستنفتح من تلقاء نفسها وتظهر لك بداية الخيط.

أخذت الحدأة القنفذ وحلقت به عاليًا في السماء ثم رمت به أرضا وعندما سقط وخارت قواه لم يعد يستطيع الانكماش على نفسه، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الحدأة كلما عثرت على قنفذ كرّرت معه هذه الحيلة الخبيثة.

ذهبت حكايتنا مع الواد وذهبنا نحن مع الأجواد.

العناصر الفنيَّة للحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة

السرد: يقوم السرد في الحكايات الشعبيَّة الحسَّانية كما في كثير من الحكايات الشعبيَّة العالميَّة، على التتابع الزمني الذي يأتي من الخارج. وهو أسلوب يعرف بـ "الرؤية من الخلف" حيث يكون الراوي مطَّلعا على تفاصيل الحكاية دون أن يكون جزءًا منها، فيسردها بصيغة مبنية للمجهول مثل " گالوا عن..."؛ أي قالوا أنَّ... أو" خالگين وحدين..." إلخ. بمعنى يوجد قوم ...إلخ. في تتابع منطقي مقنع متدرّج من البداية إلى النهاية.

الأبطال: أبطال الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة متنوّعون، بشر وحيوانات وأشباح وغيلان ووحوش وشخصيّات أسطوريَّة متخيّلة. يوجد بطل رئيسي وتحمل الحكاية غالبا اسمه كما في حكايات "شرتات" أو "أسريسر ذهبو"أو "تيبة" ...إلخ. ويكون هذا البطل هو محور الحكاية والفاعل الأهم في كل أحداثها، بحيث يمكننا القول أنَّ الحكاية في المجمل هي تصرّف أو أقوال البطل الرئيسي، وقد تحتوي الحكاية على أبطال ثانويين تستدعيهم ضرورة الحبكة في الحكاية لتكون منطقية ومقبولة عند السامع، ولا تهتم معظم الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة بالصفات الشكليَّة أو الجسديَّة للبطل، فلا نجد فيها وصفًا لطوله أو لونه، ولا وصفًا لثيابه أو متاعه، بل تهتم بصفاته النفسيَّة والسلوكيَّة، الإيجابيَّة أو السلبيَّة، كالشجاعة والكرم والفطنة أو الحمق والشره والكذب... إلخ. ويستثني من ذلك حكايات الجن والغيلان التي تهتم بالصور والملامح المضخمة للأشباح والوحوش لإثارة الرعب كما في حكاية "المرأة والغول".

الحبكة: تتّصف بالبساطة في الأعم الأغلب من الحكايات الصحراويَّة القصيرة، وقد تكون معقّدة إلى حدٍّ ما في الحكايات الطويلة التي تتكوَّن بدورها من جملة من الحكايات الفرعيَّة على طريقة الحكايات الشعبيَّة في الهند كما في حكاية "أسريسر ذهبو" مثلا. الصراع في الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة يكون قائما بين ثنائية الأضداد، الخير والشر، الكرم والبخل، الصدق والكذب، الذكاء وسعة الحيلة، مقابل الغباء والسذاجة...إلخ. وفي الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة، كما في معظم الحكايات الشعبيَّة العالميَّة، فإنّ الحكايات التي تشهد صراع الأضداد تنتهي بانتصار الخير على الشر والإيجابي على السلبي دائما.

الزمن: الزمن العام -غالبا- غير محدّد ويرد مبهما "قالو أن... "، أو "قالوا أنّه عندما كان كل شيء يتكلّم حدث كذا وكذا" مما يجعل الحكاية قابلة للحكي والتكرار دون الحاجة لربطها بزمن محدّد، كما في حكاية "السلطان والأقرع "، و يوجد في ثنايا بعض الحكايات زمن عادي، محدّد كالليل أو النهار، أو العشية أو الصباح الباكر، حسب ما تقتضيه حبكة الحكاية، كما في حكاية "شرتات وحماته " التي تدور أحداثها ليلا ولكن في بعض الحالات ترتبط الحكاية بزمن محدّد إذا كانت تتناول شخصيّات حقيقية كما في حكاية "البومة آخر الطيور" التي تروي السرديَّة الصحراويَّة أنّها حدثت زمن نبي الله سليمان عليه السلام.

المكان: في الأغلب لا يتحدّد المكان بدقّة في الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة وإن كانت عناصر البيئة المحلّية الصحراويَّة تبرز في بعض الحكايات بما يتطلبه سياق الحكاية، وتشكّل المكوّنات المكانية المحلّية جزءًا من السرد الوصفي، من قبيل "لكرارة والظاية وشجيرة السدر" وغيرها في حكاية الذئب والقنفذ أو الخيمة في حكاية "شرتات وحماته"...إلخ.

الأسلوب: تتميّز الحكاية الصحراويَّة بأسلوبها المباشرة والإيجاز وبساطة اللغة المستعملة المقاربة للغة الحياة اليوميَّة، إذ أنَّ الحكاية تكون قصيرة غالبا وترمي إلى إيصال الفكرة دون تعقيد، وقد تستخدم في بعض الحكايات أساليب السجع والطباق أو الجناس وتكرار المفردات، وفي بعض الأحيان الأشعار والأمثال قصد إضفاء نوع من التشويق، كما في حكاية "القنفذ والذئب "، كما تساهم التلوينات الصوتيَّة والتعبيرات الإيمائيَّة من خلال ملامح الوجه أو حركات اليدين في إغناء النص المحكي والإضافة إليه، بصورة تعتمد على مهارات الراوي.

خاتمة

الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة - كما يتبيَّن من العرض المقدَّم هنا - ليست نصوصا سرديَّة شعبيَّة بسيطة أو ساذجة، بل هي خلاصة تجارب المجتمع الصحراوي وتعبير منه بصيغ سرديَّة متقنة عن ذاته ورؤيته واهتماماته، كما تمثّل أسلوبا من أساليب تنشئته لأجياله عبر إعطاء المثال القصصي الذي يعكس مواقف حياتيَّة مشاهدة، سلبية كانت أو إيجابية. ومن جهة أخرى تمكّن الحكايات الشعبيَّة من دراسة المجتمع بما تحتويه من معلومات وحقائق عن لغته وقيمه وعاداته ومعتقداته وأسلوب عيشته ومكوّنات بيئته، فالحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة كما هو شأن الحكايات الشعبيَّة للشعوب الأخرى، تمثّل فنًّا أدبيًّا لصيقًا بحياة البشر، ناطقًا باهتماماتهم الفكريَّة والدينيَّة والمعيشيَّة.

ورغم أهمية الأدوار التي لعبتها وما زالت تلعبها الحكايات الشعبيَّة في الوعي المجتمعي وفي ربط الحاضر بالماضي، فإنّه ومع التطوّر المتسارع الذي يعرفه المجتمع الصحراوي -كما هو حال الشعوب المجاورة- ودخول وسائل الترفيه والتواصل المعاصر وتراجع دور الثقافة الشعبيَّة أمام عولمة وتنميط المعارف وتضاؤل الأدوار الأسريَّة في التنشئة، أصبحت الحكايات الشعبيَّة شيئا نادر الحضور في الحياة اليوميَّة. وفي ظل غياب التدوين والتوثيق باتت الحكايات الشعبيَّة -كباقي أنواع الثقافة الشفهية- عرضة للاندثار والزوال ومع زوالها يُفقد للأسف ودون رجعة جزءًا مهمًّا من التراث الجمعي والهوية المميزة للمجتمع الحسَّاني التي صمدت طويلا في وجه تقلّبات الزمن.

وفي هذا السياق نعتقد أنّ الحكايات الشعبيَّة الصحراويَّة باعتبارها معينا معرفيًّا لا ينضب، يمكن أن تشكّل مادة معرفيَّة وترفيهيَّة دسمة، يمكن إعادة تقديمها للجمهور الواسع بالوسائل السمعيَّة البصريَّة المعاصرة، سواء من خلال المسرح أو السينما أو البرامج التلفزيونيَّة، أو من خلال المناهج الدراسيَّة والبرامج الموجّهة للشباب وللجمهور المحب للأدب والمطالعة على السواء، فبذلك يمكن الإفادة منها والحفاظ عليها والتعريف بها وتثمينها.

المراجع

إبراهيم، نبيلة. (1975). أشكال التعبير في الأدب الشعبي. دار نهضة مصر.

بورايو، عبد الحميد. (2007). الحكايات الخرافيَّة للمغرب العربي. منشورات وزارة الثقافة.

الحسن، غسان. (1988). الحكاية الخرافيَّة في ضفتي الأردن. ‏دار الجليل للطباعة والنشر والتوزيع.

الحكايات الشعبيَّة الروسيَّة. (2006). (عبد الرحمن الخميسي، مترجم). المجلس الأعلى للثقافة.

الحيسن، إبراهيم. (2010). الشفهي والبصري في الموروث الأدبي والجمالي الحسَّاني. منشورات وزارة الثقافة، مطبعة دار المناهل.

الزبير، غالي. (2013). نظرات في اللهجة الحسَّانية. منشورات دار لارمتان.

علي، ميسون. (2003). الموسوعة العربيَّة (المجلد الثامن).

محبك، أحمد زياد. (1999). حكايات شعبيَّة. اتّحاد الكتَّاب العرب.

 Awah, B. M., & Moy, C .(2015). Cuentos saharauis de mi abuelo. Bubok Publishing.

Cite this article

GHALI, Z. (2025). الحكايات الشعبيَّة في الصحراء الغربيَّة. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 3(6), 93–113. https://www.turath.crasc.dz/en/article/alhkayat-alshabya-fy-alshra-alghrbya