قراءة سوسيو-أنثروبولوجيَّة لكتاب أزوان: "الموسيقى، المجد والإمتاع لدى البيظان" لميشال غينيار

مباركة بلحسن (مؤلف)
جامعة محمــد بن أحمد-وهران 02، 31000، وهران، الجزائر
77 – 92
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺤﺴّاﻧﻴﺔ: ﺗﺮاث ﻣﺸﺘﺮك ورﻫﺎﻧﺎت ﺣﻀﺎرﻳﺔ ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﺼﺤﺮاء وإﻓﺮﻳﻘﻴﺎ
ع. 6 — م. 3 — 31/12/2025

قراءة سوسيو-أنثروبولوجيَّة لكتاب أزوان: "الموسيقى، المجد والإمتاع لدى البيظان" لميشال غينيار

مباركة بلحسن

ملخّص

تعتبر الموسيقى عنصرًا ثقافيَّا مهمًّا في الفضاءات الصحراويَّة، من حيث إسهاماتها الفعّالة في تكيّف الإنسان مع بيئة صحراويَّة مميّزاتها الأساسيَّة؛ شساعة المكان وتمثُّل خاص بالزمان وأنماط التفاعل الرمزي بين الإنسان والطبيعة. فموسيقى البيظان (أزوان) جعلت ميشال غينيار الباحث الفرنسي الشغوف بالثقافة الحسّانية، ينتقل من ضابط وعسكري إلى باحث أنثروبولوجي متمكّن في ستينيَّات القرن الماضي، حيث امتدَّ هذا البحث الميداني على مدار أربعين عامًا بشكل متقطع (1963 - 2004)، خصَّص جزءًا مهمًّا من حياته في البحث والتنقيب عن خصائص موسيقى البيظان، بالرغم من صعوبة مقاربتها وفهم قواعدها المعقّدة والمختلفة عمّا ألفه في الموسيقى الغربيَّة والعالميَّة بشكل عام، بالتركيز على مقاربتها في إطار سياق ثقافي ونظام اجتماعي فريد. الكلمات المفتاحيّة: الموسيقى، الفضاء الصحراوي، البيظان، المكانة الاجتماعيَّة، الفنون.

Abstract

 A Socio-Anthropological Reading of the Book Azawān: Music, Honor, and Pleasure Among the Bidhan by Michel Guignard

Music holds a central place in Saharan societies. It helps people navigate and make sense of a desert environment defined by immense open spaces, a unique sense of time, and symbolic ways of relating to the natural world. It was this music-Azawan, the musical tradition of the Bidhan-that led Michel Guignard, a French researcher with a deep fascination for Hassānīya culture, to leave his career as a military officer in the 1960s and embrace the path of anthropology. His fieldwork, carried out intermittently between 1963 and 2004, spanned four decades. During this time, he dedicated much of his life to understanding the distinctive features of Bidhan music, even though its complex rules and structures are far removed from those of Western or other global musical traditions. His work sought to situate this musical tradition within the cultural and social world that gives it meaning.

Keywords: Music, the Saharan Region, Bidhan, Social Status, Arts.

Résumé

Lecture socio-anthropologique de l’ouvrage Azawān : Musique, honneur et plaisir chez les Bidhan de Michel Guignard

La musique est considérée comme un élément culturel important dans les espaces sahariens, en raison de sa contribution efficace à l’adaptation de l’être humain à un environnement désertique dont les principales caractéristiques sont l’immensité de l’espace, une perception particulière du temps, et des modes d’interactions symboliques entre l’homme et la nature. La musique des Bidhan (Azawan) a ainsi poussé Michel Guignard, chercheur français passionné par la culture hassanienne, à passer du statut d’officier et militaire à celui de chercheur anthropologue confirmé dans les années soixante du siècle dernier. Ses recherches de terrain se sont étendues, de manière intermittente, sur une période de quarante ans (1963 - 2004). Il a consacré une partie importante de sa vie à l’étude et à l’exploration des caractéristiques de la musique Bidhan, malgré la difficulté de l’aborder et de comprendre des règles complexes, différentes de celles de la musique occidentale et mondiale en général, en se concentrant sur son analyse dans un cadre culturel et un système social unique.

Mots-clés : La musique, l’Espace saharien, El Bidhan, Le statut social, Les arts.

مقدّمة

لفتت الموسيقى الصحراويَّة انتباه العديد من علماء الأنثروبولوجيا، من حيث قواعدها والأحاسيس والمشاعر التي ترافقها والنسق والنظام الاجتماعي الذي نشأت فيه، بالإضافة إلى أنَّ الممارسة الشعريَّة في مجتمع البيظان تتميّز بالترابط بين الشعر الحسّاني (لَغْنَ) والموسيقى (أزوان) ومرافقتهما للحياة اليوميَّة للقبائل الحسَّانية، وهو ما أعطى لهذا الشعر عدّة أشكال مقارنةً بالممارسات الشعريَّة في مجتمعات أخرى.

ويتواجد المجتمع الحسَّاني (مجتمع البيظان) في منطقة غرب الصحراء، هذه المنطقة التي كان المزارعون السود أوّل المجموعات التي تواجدت بها، لكن يُقال إنَّ الجفاف جعلهم يتوجّهون إلى الجنوب. وفيما بعد شهدت هذه المنطقة دخول البربر "صنهاجة" في القرنين الثاني والثالث وكان أغلبهم بدوٌ رُحَّلٌ يملكون الإبل، وابتداءً من القرن السابع ميلادي بدأ الإسلام ينتشر، وشهدت المنطقة نشاطًا تجاريًّا غيَّر من ملامح بيئتها بشكل واضح (مارشزين، 2014). ويُحتمل أنَّ اللّسان الحسَّاني قد انتشر خلال القرن الحادي عشر ميلادي -حسب بعض الروايات- إثر مجيء قبائل بني حسَّان المعقليَّة من بلاد المشرق إلى المجابة الكبرى من بلاد الغرب الإسلامي، أين شكّل انتشار هذا اللّسان، من وادي نون شمالًا إلى حدود نهر السينغال جنوبًا، ومن المحيط الأطلسي غربًا حتى صحراء الجوف وأزواد وتندوف شرقًا، حدثًا لغويًّا مهمًّا خاصة بالنسبة لإعادة صياغة الوضعيَّة اللّغويَّة وخريطتها بالمجال (هباد، وتمكليت، 2013، ص ص. 7- 8).

تتميَّز الممارسة الشعريَّة في المجتمع الحسَّاني بتخصيص زمرة اجتماعيَّة خاصّة تدعى "إكاون" تابعة لفئة "الشوكة"؛ أي المحاربون أو الأسياد، وظيفتها الإنشاد والغناء وكتابة الشعر وتدوين أمجاد "أهل الشوكة"، والبوح بمشاعر الحب لأنَّهم الفئة الوحيدة المخوَّل لها خرق المحظورات في مجتمع تقليدي يطبعه الاحتشام والحياء، بدلًا عن الأسياد والنبلاء الذين يُمنع عنهم اجتماعيًّا البوح بمشاعرهم بشكل علني. هذه الفئة التي ركّز عليها الباحث الفرانكو-موريتاني عبد الودود ولد الشيخ في فهم التعارض بين الزوايا وحسّان، والذي اعترف بأنَّه يبدو له تعارضًا إيديولوجيًّا بالدرجة الأولى وليس تعارضًا وظيفيًّا. تعارضٌ يتجلّى من خلال التنافس بين "الخطاب الزاوي" وشعر المطربين (إيكاون) منشدي أمجاد أهل الشوكة وحاملي لواء تمجيد تبرير القيّم الاجتماعيَّة التراتبيَّة المشروعة (بونت، 2015، ص. 736).

وعرّفها فيليب مارشزين قائلا: "أمّا إيكاون، المطربون، فلهم عدّة سمات مشتركة مع الصناع من حيث التخصّص المهني، والأصل الغامض وممارسة الضعالة، وهم كالصنّاع، موضوع ازدراء تخالطه رغبة في التطلّع (على فنّهم) وبعض من الخوف، ولا يوجد المطربون إلّا في القبائل من أهل الشوكة، وهم في الوقت ذاته موسيقيّون ومغنوّن وراقصون ونسّابون وتارة حفظة أسرار العظماء، ويصنعون الشهرة ويفسدونها، فالناس يسعون للحصول على مدحهم كما يخافون هجاءهم، والمطربون يمثّلون خرقًا لكل المحظورات في مجتمع مسلم ذي تقليد نقي صارم، فالمطرب هو العنصر الاجتماعي المؤهّل للحديث صراحة عن اللهو والحب (...) وعن الحالات المألوفة التي يطبعها الحياء والاحتشام ويمنعها نظام السلوك " ( مارشزين، 2014، ص. 37).

ميشال غينيار، هو المهندس والضابط الفرنسي الذي اشتغل بموريتانيا في الستينات، والذي بعدها تحوّل من عمل المستعمِر إلى شغف البحث في الثقافة الحسّانية وبالخصوص موسيقى البيظان "أزوان"، حيث امتدّ هذا البحث الميداني على مدار أربعين عامًا بشكل متقطّع (1963 - 2004)، خصّص جزءًا مهمّا من حياته في البحث والتنقيب عن خصائص موسيقى البيظان، بالرغم من صعوبة مقاربتها وفهم قواعدها المعقّدة والمختلفة عمّا ألفه في الموسيقى الغربيَّة والعالميَّة بشكل عام، وهو ما جعل بحثه يعتبر من أهم وأثمن ما كتب حول الغناء والموسيقى في مجتمع البيظان وتُوّج بكتاب يعتبر الأوّل من حيث موضوعه ودقّته حول (أزوان) وكان عنوانه: أزوان، الموسيقى، المجد والإمتاع لدى البيظان (دراسة إثنو-موسيقيّة). وقبل الشروع في قراءة سوسيو-أنثروبولوجيَّة للكتاب، نقدّم مقطعًا من تقديم الباحث الأنثروبولوجي الفرانكو-موريتاني عبد الودود ولد الشيخ للكتاب:

"ميشال غينيار، الضابط الفرنسي الشاب الذي ارتاد المدرسة متعدّدة التقنيات "البوليتكنيك" ودرس علم النفس الاجتماعي قبل الانتقال إلى الأنثروبولوجيا، قد نجح بشكل مثير للإعجاب في تركيز الانتباهعلى خصائص موسيقى البيظان "التقليديّة" (أزوان) وما يتواضع، في هذه الموسيقى، على ترجمته إلى لغة علم الموسيقى العالمي. وللقيام بذلك،كان من الضروري أولا التغلّب على ما هو "غريب" في أصوات هذه الموسيقى وفي المشاهد التي تعرض فيها وتسمع. كما كان من اللازم بعد ذلك الذوبان في أعماقها والانفتاح على نمط الشعور الذي تثيره من أجل قياس قيمتها المحلّية وإدراك نصيبها من العالميّة، وما فيها ممّا هو "قابل للترجمة".

قدّم المؤلّف كتابه في جزأين أساسيّين؛ الأوّل حول الوظائف الاجتماعيَّة للموسيقى واندماج "إيكيو" في المجتمع، بالتركيز على الموسيقى والطرب من حيث المكانة وعلاقتها بالدين والزوايا واحترامها للفطرة الإنسانيَّة، كما قدّم كذلك في هذا الجزء فصولًا حول إيكيو وشخصيّته وعلاقاته بالاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى مسألة الأصول وعلاقتهم بالأمراء؛ أي أنّ ميشيل غينيار ركّز من خلال الجزء الأوّل لكتابه على السياق الاجتماعي لموسيقى البيظان مهتمًا بشخصيَّة إيكيو وكل ما يتعلّق بمكانته وصورته النمطيّة في مجتمع البيظان. وخصّص الجزء الثاني لموسيقى البيظان كمدرسة تقليديَّة، وإشكالية المنهج والمصطلح، بالإضافة إلى طرائق تعليمها ونظامها والآلات الموسيقيَّة وعلاقتها بالتركيبات السوسيو ثقافيَّة في مجتمع البيظان، وفي خاتمة هذا الجزء أشار إلى تحوّلات المجتمع البدوي والاضطرابات السياسيَّة التي رافقت هذا التحوّل، والتي جعلت موسيقى البيظان تدخل وتتأثّر بالسياق الحضري الجديد. ومن خلال قراءتنا المتمعّنة للكتاب يمكن أن نقف على ما يلي:

- مكانة الموسيقى والغناء في مجتمع البيظان، وارتباط رفعة الشخص ومكانته الاجتماعيَّة العالية بعلو كعبه في المعارف الموسيقيَّة، "ويوجد (في اللهجة الحسَّانية) معجم ثري للتعبير عن مدى معرفة الشخص بالموسيقى: فعندما يقال "مزّيْوَنْ" فمعناه عارف بالموسيقى، و"مَفْتوحْ"؛ أي يعرف أسس أو مفاتيح الموسيقى، ويقال "إحُوصْ الشّورْ"؛ أي أنَّه أوّل من يتعرّف على المقطوعة الموسيقيَّة، أو يتعرّف عليها عند بدء سماعه العزف" (غينيار، 2022، ص. 33). لكن هذا لا ينفي احتدام النقاش في المجتمع نفسه حول حكم الشرع في الموسيقى، فلقد اعتبر بعض الفقهاء "إيكاون" رسلًا للشيطان، ولاحظ ميشال غينيار أنَّ من شيوخ المغنيّين من رفض تسجيل أغانيه خوفًا من بقاء أصواتهم تنشر السوء بعد موتهم - لأنَّه في اعتقادهم - تبقى فكرة السحر والفتنة مرتبطة بالموسيقى، لأنَّ الشغوف بسماع الموسيقى قد تستحوذ عليه، وهو ما يسمّى باللهجة الحسّانية "مَتْنَهْوَلْ". لكن تبقى مواقف الزوايا غير محسومة وتميل إلى نوع من التسامح بتطبيق الأحكام الشرعية الخاصَّة بالموسيقى.

 "وهكذا فإنَّ كلمة "الهول" (الموسيقى) بالنسبة لرجل الدين تحيل إلى حقل دلالي أضيق ممّا يحيل إليه هذا المصطلح في اللّغة الفرنسيَّة، فالموسيقى هنا تعني تحديدًا العمل الترفيهي الذي يقوم به المغنّون... والمغنّون يبدؤون حفلات الغناء بمدائح نبويَّة يردّدونها بصورة مميّزة جدًّا، فيمدون أصواتهم في بداية المقام الموسيقي ونهايته منشدين "لا إله إلا الله"، وكأنّهم بذلك يريدون إقامة الدليل على إسلامهم واستقامتهم، ولهم أن يغنوا بين ذلك ما شاؤوا مستمعيهم، أو ليحرّضوهم على الصمود ويستحثوهم على شدّة البلاء في ساحة الحرب." (غينيار،2022، ص ص.39 -40).

- بالرغم من أهميَّة الموسيقى في مجتمع البيظان إلّا أنَّه لا يجب أن تؤثّر على الشخص وتجعله لا يلتزم بمنظومة القواعد التي تنظم آداب المجالس وتعبّر عن الاحترام، فمثلًا من غير اللّائق أن يحضر شخصٌ لحفل غنائي بوجود من هو أكبر منه وتربطه به علاقة قرابة أو مصاهرة، وهو ما يعرف في المجتمع الحسّاني "بالسحوه"؛ بمعنى الحياء والحشمة والاحترام والوقار. فالموسيقى إذا كانت تحمل رؤى عن المتعة فإنَّها أيضًا تثير هذا الشعور، لكن تتفاوت درجة هذه القواعد واحترامها من فئة اجتماعيَّة إلى أخرى، ولاحظ ميشال غينيار أنَّ موضوعات الأغاني تتناول الجمال والجنس والحب، ولكن بأسلوب تغلب فيه الإشارة على التصريح، وذلك لإظهار ما هو مرغوب من الفطنة وحدّة الذهن.

- وفيما يخص المدح والهجاء، فإنَّ غينيار لاحظ أنَّ الأشعار الملحميَّة الطويلة والأساطير القديمة والأنساب جزءٌ من المدح، لأنَّ التغنّي بعلو شأن أجداد الأسياد والنبلاء من البيظان هو أجمل أشكال المدح، ويعتبر المطرب مستودعًا لتاريخ القبائل وأمجادها، لكنّه تاريخ منحاز عادة لأنَّه غالبا يركّز على لحظات المجد ولا يتحدّث عن لحظات الهزيمة، بل إنَّه يسعى إلى مجادلة العدو، ويصبح العيب والهجاء مكمّلان للمدح. كما لم يغفل عن أكثر الأشكال الشعريَّة الموسيقيَّة الكبرى تميّزا، وهو "التهيدين" والذي كان قديما يعدّد أمجاد كبار المحاربين.

"يمكن فهم تواتر المديح والهجاء في سياق اجتماعي تتّقد فيه روح التنافس بين الأفراد كما بين الجماعات. وتبدو المساجلة الشعريّة التعبير الأكثر ذيوعا. سواء تعلّق الأمر بالمزاح بين الأصدقاء أو بأمور أكثر جدية. ويولي البيظان هذه المعارك اللفظيّة اهتماما قد يفاجئنا. وقد حُظر مؤخّرا، في الإذاعة، نشر بعض الأشعار الملحمية باعتبار أنّ من شأنها إثارة الصراعات القديمة بين القبائل والإضرار بالوحدة الوطنيّة. وقد وجدت شخصيًّا بعض المصاعب في جمع الحكايات الطريفة التي تحكى عن هذه القبيلة أو تلك". (غينيار،2022، ص. 49)

- لاحظ الباحث أنَّ السخرية من "إيكاون" تعتبر عنصرًا أصيلًا من عناصر لعبة التمثيل، حتى وإن لم تكن دائمًا بطريقة ودية، ويفترض أن يكون إيكيو جبانًا بقدر ما يفترض أن يكون المحارب شجاعًا، وهو ما عبّر عنها فيليب مارشزين في قراءته لما جاء به غينيار فيما يخص هذه العلاقة قائلا: "ويقترح ميشال غينيار في أطروحته، تفسيرا نفسيًّا اجتماعيًّا للتعارض بين صاحب الشوكة والمطرب، إذ هو إسقاط مشاعر لا يمكن البوح بها اجتماعيًّا على صورة المطرب، توجد في منطقة الــ"هو" بينما يوجد نموذج صاحب الشوكة في منطقة "الأنا الأعلى" (مارشزين، 2014، ص. 37). يفرض مجتمع البيظان على المغني أو الموسيقي "إيكيو" أن يلعب الدور المطابق للصورة النمطيَّة الموجودة عن فئتهم الاجتماعيَّة.

"نرى أنَّ إيكاون متشبّعون من معايير وقيّم هذا المجتمع "البيظاني" الذي ينتمون إليه. فوضعيتهم الأخلاقيّة إذن دقيقة ولا تخلو من حرج، لأنَّ محيطهم من ناحية أخرى، "يفرض" عليهم، على نحو ما، أن يطابق سلوكهم صورة مناقضة، على مستوى قدر كبير من النقاط والمعايير ولهذه القيّم (...) يبدو إذن أنّ الأشخاص المنتمين إلى عائلات نبيلة يُسقطون على صورة المطرب بعض الرغبات والأحاسيس التي لا يمكنهم الإقرار بها، بحكم العرف والقانون الخاص بفئتهم الاجتماعيّة. وقد يسمح هذا التأويل بتفسير الجاذبية القوية التي تمارسها هذه الصورة، ولماذا ينظر الطَلْبَه إلى الموسيقيين باعتبارهم ممثلي الشيطان." (غينيار، 2022، ص ص. 65 -66).

- إنَّ الصورة النمطيَّة لإيكيو في مجتمع البيظان، والتي أكّد عليها مؤلّف الكتاب، ليست أحادية بل هي صورة مزدوجة، فمن جهة فإنَّ هذه الصور ليست سلبية دائما، ولقد اشتهر إيكاون وأسلافهم بوصفهم موسيقيّين وشعراء وليسوا دائما في حالة تمثيل، لأنّهم يستعيدون جديَّتهم ورصانتهم في وقت الموسيقى، وهو ما يفرض على جمهورهم الانتباه والاهتمام والإعجاب.

"من الجائز أن يأبى المجتمع لإيكاون أن ينسبوا إلى المجد والشرف، لكن من المؤكّد أنّه، بفضل هؤلاء، يتألّق شرف ونبل المحاربين بأقوى ما يكون، حتى إنّه يمكن القول إنّهم مدينون لهم بوجودهم كمحاربين، لأنّهم هم من يتولّى تكوينهم وتأهيلهم عن طريق تذكيرهم باستمرار بقانون الشرف وقواعد الفروسيَّة. وبذلك فإيكاون هم سدنة المعايير الاجتماعيَّة التقليديَّة وحرّاسها (...) إنّ مصلحة إيكيو (الموسيقي) تلتقي بمصلحة المحارب: فالثناء على سخاء ولي النعمة، هو أيضا بمثابة لفت النظر إلى مزايا الموسيقى التي خوّلته استحقاق مثل هذه الهبات. وبالمقابل، فإنّ امتلاك فنان ذي موهبة استثنائيّة، من شأنه أن يزيد نباهة ذكر المحارب أو كبير القوم وذيوع صيته كرئيس." (غينيار، 2022، ص ص. 67 -68).

- هوس المحارب بالكرم والبطولة يجعله في حاجة دائمة لمن يذكر بها أتباعه وأعداءه، لذلك كان دور إيكاون الإشادة بصورة الزعيم بتسخير كفاءة لسانيَّة وموسيقيَّة استثنائيَّة، فكما يقال فإنَّ "المحارب هو صنيعة إيكيو"، لذلك يستوجب أن يكون المحارب مطابقًا للنموذج الذي أشاد به المغني أو المطرب، وهو ما اعتبره ميشال غينيار تواطؤ بين قادة المحاربين ومغنّيهم، فتشبّع المواجهات حاجة المغنين ويغذّي المغنّون المواجهات، وفي أحيان كثيرة يمكن أن يوازي الصراع بين زعيمين، صراع في المدح بين المغنّين.

"يعود سلطان الزعيم بصورة وثيقة إلى السؤدد المكتسب عبر صورة السخاء والبطولة اللذين كان تثمينهما، أساسا، في يد المغنّين. فهبات الزعيم كان يُنظر إليها على أنّها بمحض سخائه وأنّها تُظهر وحدها نبل أرومته (...) غير أنّني لا أتصوّر أنّ هذا الاستخدام النفعي لصورة القائد المهيبة يمكن أن يفسّر تمامًا سلوك المحاربين. إذ يبدو أنّه داخل مجتمع البيظان المتكلّم بالحسّانية في طور التشكّل، نشأت ثقافة للبطولة والمآثر والفعل المتألّق الذي يفرض الإعجاب أو الدهشة، وأنّ ذلك أصبح، في حدّ ذاته، هدفًا للمحاربين يمكن السعي إليه بمنأى عن الغاية الاقتصاديَّة أو السياسيَّة". (غينيار، 2022، ص ص. 86 -87) 

- اعتبر صاحب الكتاب أنَّ إجبار إيكيو على مخالفة كل القيّم التي تشكّل نبل الإنسان بمثابة موت اجتماعي- لأنَّه حسب رأيه- قتل من منظور القيّم ووضعيته هي الثمن المدفوع لكي يشغل وظيفة إيكيو، وهي تقديم سيّده كزعيم حربي نبيل، ما يعطيه الحق في أن يفرض هو أيضا منحه الحياة السهلة التي يمكن فيها تلبية أدنى رغباته بمجرد التعبير عنها، لكن هذا لا يمنع من حاجتهم -ولو رمزيًّا- للاعتراف بقيمتهم وبما يلحقهم من ضرر.

- إنَّ احتكاك القبائل العربيَّة بشعوب السودان جعلهم يدركون قدرة المغني على التعبئة، وهو ما جعلهم يصبون إلى الاستفادة من المغنّين كأداة للسلطة والتنظيم الاجتماعي والإمتاع بعد أن أثبتوا جدارتهم، لذلك كثر الطلب عليهم خاصّة مع بداية القرن الثامن عشر، لكن يؤكّد غينيار أنّ قبائل الشمال وحدها بقيت خالية لزمن طويل من هذه الظاهرة، خاصة قبيلة الركيبات.

- أكّد غينيار أيضًا على أهمية وصف وفهم الظروف التي كان إيكاون يمارسون فيها فنّهم، لأنَّ الفضاء والحضور أنفسهم هم من يخلقون- من خلال تواجدهم- "مساحةً اجتماعيَّةً"، تتشكّل حول القطب الذي يمثّله المغني، فالجمهور لا يخضع لقاعدة الصمت الصارمة، فقد يتحدّث بعضهم في فترات الانتقال من مقام إلى مقام، وقد يسرّ بعض المستمعين أشعارًا للمغنّي يفترض أنّهم قد ارتجلوها في اللحظة ذاتها، كما يضطلع الشعر بدور هام في هذه الحفلات وفي بعض الأحيان، فهو أكثر ما يجذب الانتباه. وتكون الموسيقى بمثابة الدعامة له. وهو ما جعله يعترف أنَّه حين كان يتردّد على إيكاون أدرك أنّه يواجه ثقافة على درجة كبيرة من الأصالة، والتي لن تسمح بفك رموزها بسهولة من حيث تصوّر البيظان للحفل الموسيقي وسلوكهم خلال الأداء الموسيقي، والموسيقى ذاتها كانت تسحره لكنّها كانت تبدو له مستعصية على التفهّم والانسجام.

"خلال الحفل يستطيع المشاهدون إظهار إعجابهم بالتعبير عن أنفسهم عبر تنهدات طرب قصيرة، (هح) وبتنغيم الأساس بشكل ملهم، أو ألفاظ للتعجّب نحو (زين حتا) (حق) ويمكن أن يهتف (هذا حرام) "؛ المقصود أنَّه يحرم إتيان عمل بمثل هذه الروعة"، وأيًّا كانت طريقة هؤلاء في التنبيه إلى انفعالاتهم إثر مقطع جميل، فإنّهم بعيدا عن عرقلة الأداء الموسيقي، يمثّلون تشجيعًا لإيكيو وعونًا للمشاهدين على المشاركة، ويساعدون في خلق هذا الجو الغريب الأخَّاذ الذي نجده في حفلات البيظان والذي لا يمكن أبدا لأجمل الأشرطة أن تأتي به." (غينيار، 2022، ص. 124)

- لم تكن دراسة غينيار لموسيقى البيظان بالعمل الهيّن، فلقد واجه العديد من الصعوبات من حيث المنهج والمصطلح والتواصل، ويتجسّد مشكل المصطلحات في تشابه بعض الكلمات لفظًا واختلافها في المعنى، بالإضافة إلى التعقيد في النظام الموسيقي عند البيظان والذي يفرض استخدام عدد من الألفاظ للحديث عن مختلف النظم المقامية التي يحتوي عليها: أجانبه، الشور، الردات، البيت، وهي ألفاظ غالبًا لا يوجد لها مقابل في اللغات الأخرى. كل هذا يجعل الباحث ملزمًا بأن يفهمها في إطار بيئتها والسياق الاجتماعي الذي نشأت فيه. كذلك واجه الباحث مشكل غياب الإجماع حول بعض المصطلحات، لأنَّ كل عائلة من إيكاون تشكّل -أو كانت تشكّل- نوعًا ما مدرسة صغيرة بتقاليدها الخاصة، وأحيانا بلغتها الخاصة.

-إنَّ انتقال القبائل الحسَّانية من البادية إلى المدن أثّر بشكل بائن على موسيقاهم، وهو ما اعتبره ميشال غينيار ظهور طبقة جديدة من الشباب الذين لم يعايشوا في الغالب حميميَّة لقاء الموسيقى تحت الخيمة، ومعرفتهم لموسيقى بلدهم التقليديَّة ضعيفة، بالإضافة إلى خشية بعض الهواة من تنظيم الجلسات الموسيقيَّة الحميميَّة بسبب قلّة الوسائل المادية وخوفًا من تلبية طلبات إيكاون التقليديَّة، لذلك فالتحوّل كان مزدوجا، من جهة تحوّلت موسيقى الخيمة الحميميَّة إلى أداء أمام الجمهور الكبير ما قد يسبّب هجران الآلات التقليديَّة التي تكاد لا تسمع في هذا السياق، ومن جهة أخرى تلاؤم موسيقاهم مع جمهور أكثر شعبيَّة، شباب لا يعرف تقاليد الموسيقى جيّدا، ولكنه مطلّع على مختلف أشكال المنوَّعات العالميَّة، لذلك أصبحت حفلات الزواج النشاط الرئيسي للعديد من الموسيقيّين.

تستند موسيقى "أزوان" في المجتمع الحسَّاني إلى منظومة قيميَّة متجذّرة في التركيبة الاجتماعيَّة الهرميَّة، حيث يأتي في صلب هذه القيّم مفهوم الشرف والمجد، ويتعدّى دور الموسيقى كونه تعبيرًا جماليًّا ليصبح أداة فعَّالة في تشكيل الذاكرة الجماعيَّة وتكريس المكانة الاجتماعيَّة. يقوم المغني بدور المؤرّخ والمنظّر الاجتماعي الذي يصوغ سرديات البطولة والكرم، ويرسّخ من خلالها شرعيَّة النخبة المحاربة (أهل الشوكة). وبهذا، تتحوّل الموسيقى إلى سلطة رمزيَّة تخلق الهيبة وتدعم النظام الاجتماعي القائم. وبالتوازي مع وظيفة التمجيد، توجد قيمة المتعة المنضبطة التي تحكمها آداب صارمة. يأتي في قلب هذه الضوابط مفهوم "السحوة" (الحياء والاحترام)، الذي يحوّل المشاعر الفرديَّة إلى قواعد سلوك جماعيَّة. ويتجلّى ذلك في تحريم الاستماع للموسيقى بحضور الأكبر سنًّا أو ذوي القرابة المحترمة، وفي الممارسة الطقسيَّة التي تدفع بالمغني والمغنيَّة إلى إخفاء أفواههم أثناء الأداء المشترك. كما تنعكس هذه الضبطيَّة في المعالجة الأدبيَّة للمواضيع العاطفيَّة، حيث يتم التعبير عن الحب والجمال عبر الرمز والإيحاء، ما يحوّل الاستماع إلى نشاط يتطلّب الفطنة والذكاء. وتنتج عن هذا المزيج بين التمجيد واللهو مكانة متناقضة للمغنّي، فهو فاعل أساسي في صناعة المجد الاجتماعي، لكنّه يدفع ثمن هذه الوظيفة بانتهاكه العلني للمحظورات نيابةً عن الجماعة.

وعلى المستوى الفنّي، تخضع هذه الموسيقى لتراتبيّة صارمة تعكس دقّة التنظيم الاجتماعي نفسه، إذ يرتكز النظام الموسيقي على خمسة أنماط رئيسيَّة (كَرّ، فَاغُ، لَخَال، لَبْيَض، لِبْتِيَت) تُؤدَّى وفق ترتيب تسلسلي ثابت لا يجوز كسره، وإن سُمح بحذف بعضها. وترتبط بهذه الأنماط نظريَّة جماليَّة فريدة تقوم على تلوين المقامات، حيث تُصنف المقامات الفرعيَّة (وعددها ثمانيَّة وعشرون) تحت ثلاثة "ألوان" أو "طرق": الأسود (لَخَال) المرتبط بالقوّة والشرف والتوتر، والأبيض (لَبْيَض) الدال على اللطف والمتعة والنعومة، والمرقط (غْنَيْدِيَّة). ويجسّد مسار الأداء الموسيقي رحلة عاطفيَّة مقصودة، تبدأ حتمًا بالسواد وتنتهي بالبياض، كأنّها محاكاة صوتيَّة لمسار نفسي من الجدية والعنفوان إلى الانفعال والرقَّة.

يتشكَّل الأداء وفق بنيَّة محدّدة تبدأ بمقدّمة حرّة (ذُل) في اللون الأكثر سوادًا، تليها سلسلة من القطع المقاسة (أَسْوَار) تنتقل تدريجيًّا من السواد إلى البياض. ويتم تحقيق هذا الانتقال عبر تقنيَّة عزفيَّة متطوّرة على آلة "التيدينيت" (آلة موسيقيَّة وتريَّة تشبه العود) تعتمد على تكرار صيغ لحنيَّة قياسيَّة (رَدَّات) واستخدام أنماط إيقاعيَّة (حْبِيت)، تعمل مجتمعةً على "تلوين" القطع الموسيقيَّة وتوجيه الإحساس السمعي نحو البياض أو السواد المقصود. ويكتمل هذا النظام بتقسيم أدوار جندري واضح، حيث يكّلف الرجال بالعزف على آلة "التيدينيت" والتحكّم في الإطار النغمي، بينما تتولّى النساء العزف على آلة "الأردين" (آلة موسيقيَّة وتريَّة تشبه القيتارة) كما يعتبر الغناء بصوت مفعم بالصفاء والقوة، امتدادًا صوتيًّا للسلطة والمعنى.

لا يتم استهلاك الموسيقى في عزلة، بل هي ممارسة جماعيَّة تخلق فضاء تفاعليًّا فريدًا، فخلال الأداء، لا يلتزم الجمهور بقاعدة الصمت المطلق، بل يُسمح له بالمشاركة عبر تنهدات قصيرة (هَح) أو تنغيم الجمل الموسيقيَّة أو حتى التعليقات الإعجابيَّة مثل "هذا حرام"؛ بمعنى أنَّه من الروعة بمكان. هذه التدخّلات لا تُعتبر إخلالًا بالأداء، بل عنصرًا مكملًا يسهم في خلق "المساحة الاجتماعيَّة" العاطفيَّة تحت الخيمة، ويعزّز الشعور بالمشاركة الجماعيَّة.

ولا يمكن فهم هذا النظام الموسيقي بمعزل عن الإطار الديني والإيديولوجي المحيط به، فالموسيقى تتواجد في منطقة رمادية بين القبول والرفض الديني، فبينما يحذّر بعض الفقهاء من افتتان المستمع، يمارس رجال الزوايا تسامحًا عمليًّا، خاصة عندما يحرص المغني على بدء حفلته بمدائح نبويَّة أو عبارات التوحيد، ما يوفّر غطاءً شرعيًّا للممارسة. وهذا الجدل الديني يعكس التوتر الحاصل بين الوظيفة التعبويَّة والاجتماعيَّة للموسيقى من جهة، والمحظور الديني المحتمل من جهة أخرى. وتتجلّى الوظيفة التعبويَّة التاريخيَّة للموسيقى في استخدامها القديم لتحميس المحاربين قبل المعركة.

وعلى هذا الأساس، يُمثّل الكتاب إسهامًا علميًّا رائدًا في مجال الإثنوموسيقى والأنثروبولوجيا الثقافيَّة، خاصة في تسليطه الضوء على نظام موسيقي معقّد ومتّصل عضويًّا بالنسيج الاجتماعي لمجتمع البيظان الصحراوي. يتميّز العمل بدقّة منهجيته الميدانيَّة التي امتدت لأربعة عقود، ما أتاح للباحث الغوص في التفاصيل الدقيقة للممارسة الموسيقيَّة ووظائفها الاجتماعيَّة، متجاوزًا المقاربات الاستشراقيَّة السطحيَّة وفق رؤية جديدة تُظهِر كيف تُستخدم الموسيقى كآلية للتفاوض الرمزي على المكانة والسلطة داخل المجتمع الهرمي.

غير أنَّ القراءة النقديَّة تُبرز بعض التحديَّات المنهجيَّة، أهمّها اعتماد غينيار بشكل كبير على الرواية الداخليَّة للمجتمع دون تفكيك نقدي كافٍ للخطابات السلطويَّة المُمَأسسة داخل النظام القبلي. كما أنَّ تركيزه على "الخصوصيَّة المطلقة" لموسيقى أزوان قد يُهمل عن قصد أو غير قصد التأثيرات التاريخيَّة المتبادلة مع الثقافات المجاورة (الإفريقيَّة والأمازيغيَّة). أخيرًا، رغم إشارته لتأثّر الموسيقى بالتحضّر، إلّا أنّ تحليله يظلّ أسير النموذج التقليدي دون تعمّق كافٍ في ديناميات التغيير المعاصرة وآليات مقاومتها أو تبنيها. وباختصار، يظلّ الكتاب مرجعًا أساسيًّا لفهم البعد الاجتماعي للموسيقى الحسَّانية، لكنّه يفتح الباب أيضًا لقراءات نقديَّة أعمق تقاطع الخطاب الأنثروبولوجي مع إشكالات السلطة والتاريخ والتحوّل المجتمعي.

خاتمة

تشكّل موسيقى أزوان، بهذا التداخل المعقّد بين القيّم الاجتماعيَّة الصارمة والنظام الفني الدقيق والتفاعل الجماعي المنضبط، نسيجًا ثقافيًّا فريدًا فهي ليست مجرد فن للاستماع، بل هي طقس اجتماعي معقّد تعاد فيه صياغة العلاقات بين الطبقات، وتُستحضر المشاعر تحت سقف من الضوابط الأخلاقيَّة والدينيَّة، وتُخلق الهيبة تحت ظل نظام جمالي صارم. إنّها مرآة صوتيَّة تعكس بدقّة التناقضات والتنظيمات التي تحكم المجتمع الحسَّاني التقليدي.

استطاع ميشال غينيار، رغم صعوبة موسيقى البيظان من حيث الرموز والمقامات والنظام الموسيقي، أن يقارب موضوعًا مهمًّا بمنهج إثنوموسيقي وبحث ميداني مكثّف، بالتأكيد على وظائف موسيقى البيظان الاجتماعيَّة من حيث نقل القيّم الاجتماعيّة، والتأكيد على أهمية المكانة الاجتماعيَّة لبعض الفئات والزمر الاجتماعيَّة في الثقافة الحسّانية، وعلاقة ممارسة الموسيقى بالمتعة وقيّم الشرف. كما ركّز على أهمية فهم مكانة الموسيقى وعلاقتها بالدين والزوايا واحترامها للفطرة الإنسانيَّة في سياق اجتماعي مرتبط بتحوّلات المجتمع البدوي والاضطرابات السياسيَّة التي رافقت هذا التحوّل، والتي جعلت موسيقى البيظان تدخل وتتأثّر بالسياق الحضري الجديد، هذا الأخير الذي قد يهدّد هذه الممارسة الثقافيَّة من حيث الوظائف الاجتماعيَّة والمكانة.

وبالحديث عن السياق الاجتماعي، فإنَّ هذا المجتمع كان يتميَّز بنظام اجتماعي قبلي قائم على التملّك الجماعي ذو الطابع القبلي للأرض؛ أي أنَّ المجال الترابي يقترن بالواقع القبلي ولا يمثّل فضاءً وطنيَّا موحّدًا، والنمط الاقتصادي لهذه المجموعات القبليَّة يتأسّس على مبدأ التنقل المكاني الناجم عن المعطيات البيو-مناخيَّة، وعلى التهديد الدائم بخطر الغزو، وعليه يمكن اعتبار الضرورات الوظيفيَّة التي تستجيب لظروف الحياة البدويَّة هي الأصل في التقسيم الثلاثي إلى : أهل الشوكة، زوايا والغارمين، وهو ما أكّد عليه دي شاسيه، حين قال : "في مجتمع متوازن، يجب أن يوجد من يحمل السلاح ومن يعلّم العلوم الدينيَّة ومن يرعى المواشي" (مارشزين، 2014).

لذلك لا يمكن فهم الممارسة الشعريَّة أو الموسيقيَّة في أي منطقة ثقافيَّة معيّنة دون فهم السياق الاجتماعي الذي ظهرت فيه والتركيبة السوسيوثقافيَّة للمجموعات البشريَّة التي تنتجها، لأنَّ حاجة الجماعات الإنسانيَّة للشعر كعنصر ثقافي تختلف من حيث الأغراض والأشكال. لقد نشأت موسيقى البيظان في بيئة ثقافيَّة خاصة وفي مجتمع عاشت أغلب قبائله وعشائره على النمط البدوي الصحراوي، وكانت عبارة عن مزيج وتركيب سوسيوثقافي يجمع العنصر الصنهاجي والعربي والإفريقي والإسلامي، بالإضافة إلى ارتباط الغناء والموسيقى بزمرة اجتماعيَّة خاصة، وهو ما نعتبره مركز قوة أزوان وصموده أمام عوامل التغيير والعولمة، بالرغم من أنَّ فقدانه للفضاء البدوي ومستمعيه والسياق الاجتماعي الذي نشأ فيه، جعله يتخلّى عن بعض أغراضه وأشكاله، كعنصر الإمتاع والمجد اللّذان كانا من أقوى وأهم أغراضه، وأصبحت الجلسات الموسيقيَّة الحميميَّة تقتصر على حفلات الزواج عادةً.

من المهم في آخر هذا المقال التذكير بأنَّ موسيقى البيظان تختلف من منطقة إلى أخرى، ومكانة المغني وانتمائه لا تخضع للمعايير نفسها في الدول التي تنتشر فيها ثقافة البيظان. فبينما تقتصر مهنة الغناء والموسيقى في موريتانيا، على فئة إيكاون كزمرة اجتماعيَّة داخل نظام اجتماعي صارم يعتمد على تقسيم الوظيفة الاجتماعيَّة حسب نظام فئوي اجتماعي، نجد أنَّ ممارسة فنون الغناء والموسيقى في كل من الجنوب الجزائري وفي الصحراء الغربيَّة لا ترتبط بفئة أو زمرة اجتماعيَّة معيَّنة، بل نجد المغنّي والموسيقي والشاعر من كل الزمر الاجتماعيَّة نساءً ورجالًا.

المراجع

بونت، بيار. (2015). روايات أصول المجتمعات البيظانية: مساهمة في دراسة ماضي غرب الصحراء. (محمـد بوعليبه بن الغراب، مترجم). دار النشر الجسور.

غينيار، ميشال. (2022). الموسيقى، المجد والإمتاع لدى البيظان (دراسة إثنو-موسيقية). (محمـد بن تتا، مترجم). مركز الدراسات والبحوث حول الغرب الصحراوي.

 مارشزين، فيليب. (2014). القبائل، الإثنيات والسلطة في موريتانيا. (محمـد بوعليبه بن الغراب، مترجم). دار النشر الجسور.

هباد، حمادي وتمكليت، سويدي. (2013). اللسان الحساني بمجال الصحراء: معالجات تأثيلية ولسانية. مركز الدراسات والأبحاث مشاريع.

 Bonte, P., & Al. (1991). Al Ansab : La quête des origines, Anthropologie historique de la société tribale arabe. Éditions de la Maison des Sciences de l’Homme.

 

 

 

 

 

Cite this article

BELLAHCEN, M. (2025). قراءة سوسيو-أنثروبولوجيَّة لكتاب أزوان: "الموسيقى، المجد والإمتاع لدى البيظان" لميشال غينيار. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 3(6), 77–92. https://www.turath.crasc.dz/en/article/qraa-swsyw-anthrwbwlwjya-lktab-azwan-almwsyqa-almjd-walimtaa-lda-albyzan-lmyshal-ghynyar