تقديم

مباركة بلحسن (مؤلف)
Université Oran 2
7 – 11
اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺤﺴّاﻧﻴﺔ: ﺗﺮاث ﻣﺸﺘﺮك ورﻫﺎﻧﺎت ﺣﻀﺎرﻳﺔ ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﺼﺤﺮاء وإﻓﺮﻳﻘﻴﺎ
ع. 6 — م. 3 — 31/12/2025

تقديم

تمثّل الثقافة الحسَّانية ظاهرة ثقافيَّة مركّبة تتداخل فيها أبعاد لغويَّة، اجتماعيَّة، رمزيَّة، وروحيَّة، ما يجعلها من أكثر أشكال التراث اللَّامادي ثراءً في الفضاء الصحراوي الإفريقي. فهي وليدة تفاعل تاريخي طويل بين القبائل البيظانيَّة الممتدة عبر موريتانيا، الجزائر، الصحراء الغربيَّة، وشمال مالي والنيجر، وما نتج عن هذا التفاعل من ممارسات لغويَّة ودينيَّة وشعريَّة وفنيَّة شكّلت هويَّة جامعة ومتمايزة في آنٍ واحد. إنَّ هذا التراث، الذي تجاوز حدوده الجغرافيَّة الضيّقة، يشكّل اليوم موضوعًا مركزيًّا في النقاشات الأكاديميَّة والبرامج الثقافيَّة الرامية إلى صون الهويَّة وبناء الذاكرة الجماعيَّة في منطقة تتقاطع فيها رهانات الانتماء والسلطة والرمز.

تتجسَّد أهميَّة التراث الثقافي الحسَّاني وضرورة الاعتناء به، ليس بوصفه ذاكرة محلّيَّة مغلقة، بل باعتباره عنصرًا حيًّا في التفاعل الحضاري المغاربي الإفريقي، ومنصة لإعادة التفكير في أدوات التنمية الثقافيَّة، وصيغ الإدماج الاجتماعي، وآليات إنتاج الرمزيَّة في المجتمعات الصحراويَّة، إذ يشكّل التراث الحسَّاني مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات الثقافة اللّاماديَّة، ويعبّر عن الامتداد التاريخي والثقافي لمجتمع البيظان. وتُعدّ اللّغة الحسَّانية الوعاء الأساسي لهذه الثقافة، حيث تمزج بين العربيَّة الفصحى ولهجات صنهاجة ومفردات من أصول إفريقيَّة، ما يعكس تفاعلًا حضاريًّا عميقًا ومركّبًا. ويحضر هذا التراث في أشكال متعدّدة منها الشعر، الأمثال، الحكايات، والنّصوص السرديَّة.

ومن أبرز الباحثين الذين درسوا التراث الحسَّاني، نذكر بيار بونت (Pierre Bonte)[1] الذي قدَّم دراسات معمَّقة عن النظام الاجتماعي الحسَّاني، والباحث الفرنكوموريتاني عبد الودود ولد الشيخ[2]، وصوفي كاراتيني (Sophie Caratini)[3] التي اشتغلت على التحوّلات السياسيَّة والاجتماعيَّة لدى مجتمع البيظان، وكورين فورتي (Corinne Fortier)[4] التي اهتمت بمسائل النوع الاجتماعي والجسد والفتوى، ومارشيزين فيليب (Philippe Marchesin)[5] الَّذي ركّز على الرمزيَّة والصراعات الاجتماعيَّة، إضافةً إلى المستشرق الفرنسي بول مارتي (Paul Marty) [6] الَّذي تعد كتاباته من أوائل الوثائق الكولونياليَّة التي أرّخت للمجتمع الحسَّاني وإن كانت محاطة بتحفّظات منهجيَّة معاصرة.

في هذا العدد الموضوعاتي من مجلّة "تراث" نهدف للاقتراب من الثقافة الحسَّانية من منظور علمي متعدّد التخصُّصات، يجمع بين التحليل اللّساني، والأنثروبولوجي، والإثنوغرافي، والتاريخي، سعيًا إلى بلورة فهم معمّق للكيفية التي تُبنى بها الهوية في فضاءٍ تتقاطع فيه الذاكرة الشفاهيَّة، البنية القبليَّة، والتديّن الشعبي، ويُعاد فيه إنتاج الثقافة في شروط بيئيَّة وجغرافيَّة متحوّلة.

يفتتح العدد بمقال فاطمة محمــــد محمــــود عبد الوهاب من موريطانيا، والموسوم بـ "أزوان بين الغواية والهداية: ملاحظات حول استراتيجيَّات الخطاب الفنّي في الثقافة الحسَّانية"، أين ركّزت الباحثة على علاقة الإيديولوجي والجمالي في الثقافة الحسَّانية وأشكال التعبير عن تمظهرات تلك العلاقة وتوتراتها في واقع الحياة اليوميَّة، من خلال خطاب النخب الدينيَّة والفنيَّة. كشفت الدراسة عن تحوّلات النظرة إلى الممارسات الموسيقيَّة بين التحريم والقبول، وبين الإغواء والإرشاد، وصولًا إلى أشكال من التعايش والمواءمة فرضها واقع المجتمع واحتياجاته الروحيَّة والجماليَّة، في إطار جدلٍ مستمر بين المتعالي والمَعيش.

وفي السياق اللّساني، يقدّم الزبير غالي وناني عبد الله، من الصحراء الغربيَّة، دراسة مهمّة بعنوان "مدخل إلى اللهجة الحسَّانية"، يعرّفان من خلالها باللهجة الحسَّانية باعتبارها نتاج تفاعل تاريخي بين العربيَّة (عرب المعقل وبني حسّان) واللّسان الصنهاجي البربري، بالإضافة إلى تأثيرات إفريقيَّة متعدّدة. ويبرز المقال قيمة اللّسان الحسَّاني كوعاء للتراث الشفهي في مجتمع قليل الكتابة في حفظ الشعر، والقصص والحكايات الشعبيَّة والأمثال والحكم والألغاز والأحاجي والصور البلاغيَّة المتنوّعة، والذي أسهم في تعزيز الهويَّة المشتركة للمجتمع الحسَّاني في مساحة جغرافيَّة واسعة.

من جهتها، قاربت الباحثة مباركة بلحسن من الجزائر، موسيقى البيظان، المعروفة باسم أزوان، باعتبار الموسيقى عنصرًا ثقافيَّا مهمًّا في الفضاءات الصحراويَّة، من حيث إسهاماتها الفعّالة في تكيّف الإنسان مع بيئة صحراويَّة مميّزاتها الأساسيَّة شساعة المكان وتمثُّل خاص بالزمان وأنماط التفاعل الرمزي بين الإنسان والطبيعة، وذلك من خلال "قراءة سوسيو-أنثروبولوجيَّة لكتاب أزوان : الموسيقى، المجد والإمتاع لدى البيظان - لميشال غينيار"، ما يجعل هذا العمل يرقى ليصبح مرجعًا لقراءة النسق الجمالي والاجتماعي في الموسيقى الحسَّانية.

وفي مجال السرد الشفهي، يقارب الباحث الزبير غالي، من الصحراء الغربيَّة، موضوع الحكايات الشعبيَّة في الصحراء الغربيَّة، باعتبارها عنصرًا أساسيًّا من الذاكرة الجمعيَّة للمجتمعات الناطقة بالحسَّانية. إذ تنتقل شفهيًّا من جيل إلى آخر، حاملةً معها منظومة من القيَّم والمعتقدات والمفاهيم الاجتماعيَّة التي تعكس الهويَّة الثقافيَّة الخاصَّة بالشعب الصحراوي. وفي مقال بعنوان "الحكايات الشعبيَّة في الصحراء الغربيَّة"، يسلّط فيه الضوء على أهمّ أنواع الحكايات الحسَّانية ووظائفها التربويَّة والترفيهيَّة، مبرزًا جمالياتها الأسلوبيَّة، كما يشير إلى مخاطر الاندثار نتيجة التحوّلات المعاصرة، داعيًّا إلى توثيق هذا التراث الشفهي وصيانته.

ويختتم العدد بمقال متنوّع تقدّمه أمينة عبد الله سالم من مصر، تحت عنوان "دلالات النخل التأويليَّة تثري التراث في الأمثال الشعبيَّة"، تتناول فيه الباحثة رمزيَّة النخل في الوجدان الشعبي المصري، من خلال تحليل دلالات حضوره في الأمثال
وما يحمله من معانٍ ترتبط بالحياة والعمل والقيَّم والتصوّرات الجماعيَّة. يبرز المقال كيف تتحوّل الكلمة الشعبيَّة إلى حامل للمعنى وللتجربة الإنسانيَّة، وإلى وسيط للتفكير والتواصل وبناء السلوك الثقافي.

وفي الأخير، يمكن القول، إنَّ هذا العدد لا يقدّم مجرد دراسات متخصّصة حول الثقافة الحسَّانية، بل يفتح بابًا للحوار مع ذاكرة الصحراء وروح أهلها. ومن خلال تتبّع الفنون واللّغة والحكاية والموسيقى، نحاول الاقتراب من عالم غني بتفاصيله الرمزيَّة والجماليَّة، عالم ما يزال ينبض بالحياة رغم التحوّلات وتغيّر السياقات. وعليه فإنَّ هذا الجهد العلمي هو دعوة للتأمّل في هذا التراث بوصفه رصيدًا حيًّا من الهوية العربيَّة والإفريقيَّة الصحراويَّة، يستحق البحث والإنصات والحفظ، كما يستحق أن يُعاد تقديمه للأجيال القادمة بعين معاصرة ووعي يثمّن الجذور ويواكب المستقبل.

مباركة بلحسن *

[1] بيار بونت (Pierre Bonte): بونت، بيار. الأنظمة الاجتماعيَّة لدى مجتمع البيظان (الموريتانيّين). الترجمة غير متوفّرة بالعربيَّة، النسخة الأصليَّة:

Bonte, P. (1969). L’émirat de l'Adrar mauritanien : harîm et pouvoir politique dans une société tribale saharienne. CNRS.

بونت، بيار. العلاقات القبليَّة والبنى الاجتماعيَّة في موريتانيا. النسخة الأصليَّة:

Bonte, P. (1998). Histoire et structures sociales de la Mauritanie (XVe-XXe siècle). Karthala.

له دراسات أخرى حول القبيلة، النسب، الزوايا والحسَّانية، منشورة في مجلّات أنثروبولوجيَّة فرنسيَّة.

[2] عبد الودود ولد الشيخ (Abdel Wedoud Ould Cheikh): ولد الشيخ، عبد الودود. دراسات
في المجتمع الموريتاني، الدين والسياسة في بلاد البيظان
. منشورات مختلفة (مقالات محكّمة).

Ould Cheikh, A. W. Pouvoirs et sociétés en Mauritanie : Essai d'anthropologie historique.

له كتابات عديدة حول الإسلام في الصحراء، التاريخ السياسي، والذاكرة الشفهيَّة.

[3] صوفي كاراتيني (Sophie Caratini): كاراتيني، صوفي. البيظان: التحوّلات التاريخيَّة والسياسيَّة
في مجتمع صحراوي
. النسخة الأصليَّة:

Caratini, S.) 1989(. Les Rgaybat (1610-1934) : histoire d'une grande confédération nomade saharienne. L’Harmattan.

Caratini, S. (2010). Mémoire et pouvoir au Sahara : les tribus de Mauritanie du XVIe au XIXe siècle. CNRS Editions.

له أبحاث حول الهويَّة والسلطة والتحوّلات الاجتماعيَّة في موريتانيا.

[4] كورين فورتي (Corinne Fortier): فورتي، كورين. دراسات أنثروبولوجيَّة حول النوع الاجتماعي والجسد والفتوى بالصحراء:

Fortier, C. (2014). (Dir.). Femmes, hommes et patrimoine en Mauritanie. Karthala.

Fortier, C. (2007). "Blood, Milk and Sperm: Kinship Studies in Mauritania", Journal
of Anthropological Research.

تركّز أعمالها على قضايا الجندر في المجتمع الحسَّاني والزواج والقرابة.

[5] مارشيزين فيليب (Philippe Marchesin): مارشيزين، فيليب. السياسة والرمز في موريتانيا، النسخة الأصليَّة:

 Marchesin, Ph. (1992). Mauritanie : histoire, société, politique. Karthala.

أبحاثه تتناول السلطة، الرمزيَّة السياسيَّة والصراعات الاجتماعيَّة لدى البيظان.

[6] بول مارتي (Paul Marty): مارتي، بول. موريتانيا: الإسلام والمجتمع. النسخة الأصليَّة:

Marty, P. (1916-1920). Études sur l'Islam et les tribus maures (Mauritanie, Sahara occidental). Leroux.

يعدّ من أوائل من وثّق المجتمع الحسَّاني خلال الحقبة الاستعماريَّة، لكن كتاباته تحتاج قراءة نقديَّة من منظور ما بعد كولونيالي.

* جامعة محمـــد بن أحمــد - وهران 02، 31000، وهران، الجزائر.

Cite this article

BELLAHCEN, M. (2025). تقديم. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 3(6), 7–11. https://www.turath.crasc.dz/en/article/tqdym-6